يصوّر الراحل يوسف إدريس في قصّة “العسكري الأسود” الجنرال العسكري بأنه الرجل الذي يصادر أمن الناس وأنه يضرب كل من يراه ولا يظنّ أحد أنه يمّت إلى الإنسان أو الحيوان بصلة ولا حتى للآلة.. فالآلة لا يبدو على وجهها المتعة المتوحشة وهي تضرب. ويا لخسة ضربه؛ لأنّ المضروب لا يملك حرية الرد “تذكرنا القصة السالفة بما يكثر الحديث عنه في هذه الأيام من ترشح الفريق السيسي للحكم في مصر الشقيقة وعن طبيعة الحكم في ظل رجل عسكري”.
بجولة سريعة في طول البلاد العربية منذ أن حصلت على استقلالها، كان الممسكون بمقاليد الحكم يطلقون الوعود بأنّ الديمقراطية قادمة والمستقبل يحمل بشائر التحول إلى المزيد من الحريات والتعددية . لكن على صعيد الواقع العمليّ لا يلمس مواطنو هذه الدول إلاّ خنق الديمقراطية بالقرارات الانفرادية. وحتى الذين زعموا باعتزال الحكم من العسكريين فإنهم حنثوا بوعودهم باختلاق ذرائع أوهى من بيوت العنكبوت. العسكري الوحيد الذي شذ عن القاعدة وشكل الاستثناء بين العرب أجمعهم هو المشير سوار الذهب الذي أطلق مقولته الذائعة بأنّ “الدبابة لا تحكم شعباً”. وبالفعل سلّم السلطة بعد سنة واحدة للمدنيين. وأصبح نموذجاً للزعيم الذي لا يتكرر.
إنّ الملاحظ هو أنّ مصر تعيش مرحلة انتقال باتجاه تغيير من الحكم المدني إلى العسكري. يحدث هذا وسط تخوف من انتكاسة ديمقراطية خطيرة.. وسواء اتفقنا أم اختلفنا على أنّ ما حدث في مصر هو انقلاب عسكري أم هي ثورة شعبية، فإنّ الذّي يرسم الخريطة ويوجه الأمور بلا شك هم العسكر.
المشاهد بشكل يومي في أرض الكنانة هو مطالبات “برحيل سريع” للعسكر وعودة للوضع كما كان قبل التحول وأمام إصرار كل طرف على أنه الأحق بالحكم فليس ثمة ما يشير إلى إنهاء الوضع قريباً. تاريخ العسكر في مصر بدأ منذ عام 1952م عندما استيقظ المصريون على أصوات الدبابات تحاصر قصر الملك فاروق وأمام المباني الحكومية. واتضحت ملامح المشهد بأنّ التحول هو باتجاه حكم العسكر الذي عُرف فيما بعد بـ”الضباط الأحرار”، لكنّ الذي لم يعرفه الشعب المصري بعد هو نوايا هذه المجموعة الوطنية من الضباط. واختير محمد نجيب زعيماً للدولة بوصفه الأكبر سناً وهو أول عسكري يحكم البلاد منذ عهد الفراعنة.
غير أنّ نجيب لم يقدّر له الإمساك بالسلطة سوى عامين فقط، إذ تحولت القيادة إلى زعيم شاب من المجموعة ذاتها هو جمال عبد الناصر صاحب “الشخصية الغامضة”، والذي وضع نجيب في الإقامة الجبرية زهاء ثلاثين عاماً. أما الذين أحاطوا بعبد الناصر فإنهم ضباط صغار وليسوا ممن ينتمون للهيئات المدنية. ولم يعرف عن الرجل إلاّ قبضته العسكرية طوال فترة رئاسته أي طوال ثمانية عشر عاماً بالتمام والكمال.
وخلفه زعيم عسكري آخر هو أنور السادات الذي عاش في ظل عبد الناصر بوصفه نائبا له. وما إن استقرت له الأمور حتى أسرع بالإطاحة بما أسماه “مراكز القوى” ثم آل الوضع إلى عسكري آخر هو حسني مبارك الذي طبق القبضة الحديدية بأبشع الأساليب.
ومع انفجار ما سُميّ بـ “الربيع العربي” شاهدنا بأم أعيننا كيف يتهاوى نظام مبارك في ثمانية عشر يوماً فقط. وتعيش مصر بعدها تحوّلا ديمقراطيا غير مسبوق بوصول جماعة الإخوان للسلطة. لكن فرحة الإخوان لم تدم سوى سنة واحدة ليجدوا أنفسهم خارجها. واليوم فإنّ مصر أمام تجربة جديدة بترشح جنرال عسكري للحكم هو الفريق عبد الفتاح السيسي، فإنّ السؤال الذي يهجس لدى كل فرد في مصر والبلاد العربية هو التالي: هل سنشهد حكما عسكرياً شبيها بما كانت عليه مصر إبان حكم الزعماء السابقين أم أنّ العسكري السيسي سيغير الاتجاه؟ هذا ما ستكشفه الأشهر المقبلة.