كنا نتمنىّ كمواطنين لو أنّ السادة أعضاء المجلس النيابيّ قد تخلّوا ولو لمرة واحدة عن أسلوب المساومات والمجاملات - وحتى لا نقول العنتريات الفارغة - لأنّ المواطنين بصراحة سئموا ما يجري من مناقشات عقيمة طوال الثلاث سنوات الفائتة. إنّ الناخبين عندما اختاروا نوابهم لتمثيلهم بالمجلس النيابيّ فإنّهم كانوا يتطلعون إلى من يدافع عن قضاياهم وهمومهم وعذاباتهم اليومية، بيْد أنّ الواقع شكل صدمة مروعة لهم. كان الأداء مخيبّا للآمال والأسباب غير خافية على أحد، وهي أنهم “غلّبوا المصالح الشخصية على حساب مصالح المواطنين وعلى حساب الوضع الرقابيّ والقضايا التي تعود بالنفع على المواطنين ومصلحتهم” طبقا لقول النائب عثمان شريف.
أعتقد أنّ لشهادة النائب شريف أهمية خاصة بوصفها صادرة من عضو عاش التجربة النيابية بتفاصيلها لحظة بلحظة، وهو على دراية بما يدور تحت قبة البرلمان وبالتالي فإنها تشكل دليلاً ساطعاً على ما بلغه الأعضاء من تشظٍ وغياب للتجانس بينهم.
أنقسام الأعضاء إلى كتل نيابية داخل المجلس النيابي هو حالة طبيعية ولا خلاف عليها في جميع المجالس النيابية، وهي معبرة عن القواعد الانتخابية ولكل منها وزن سياسيّ. وعندما اتخذت هذه الكتل قرار الترشح فإنّها تعهدت أمام ناخبيها بالاضطلاع بواجباتهم النيابية عبر برامجهم الانتخابية المعلنة. لكنّ مآخذنا عليها جميعها بلا استثناء يكمن في تخليها عن المسؤوليات والمهام الواجب النهوض بها. الملاحظ أنّ اللعبة السياسية كانت موضع شدّ وجذب بين الكتل بعضها بعضا أحيانا والكتل وممثلي السلطة النفيذية أحيانا أخرى لكنها لم تفض إلى مشاريع ملموسة لدى المواطن.
ما يتذرع به النواب نتيجة لضعف أدائهم النيابيّ هو محدودية الصلاحيات المتاحة لديهم لكن الذي بدا جليا لكل مراقب أنّ النواب أنفسهم هم من حجموا أنفسهم وهم من فرّطوا في واجباتهم بعدم الالتزام بالمبادرات والاتفاقات حينا، ولغياب الإستراتيجيات في أغلب الأحيان وهذا يعود لغياب خطط نابعة من رؤية واضحة.
الكتل النيابية بوضعها الذّي عليها اليوم (كتلة البحرين - كتلة المستقلين - الكتلة الوطنية) تفتقد التجانس والتنسيق بينها. والمفارقة أنّ تشكيل لجنة للتنسيق فيما بينها لم يؤد إلى نتيجة تذكر. والمحزن أنّ قراراتها لا تترجم إلى أفعال. الكتل الثلاث المذكورة كل منها يعمل بمفرده ولا رابط بينها ولا قضايا تجمع أعضاءها وهذا ما أدى إلى جعلها أشبه بالجزر المتناثرة.
وأود أن أذّكر هنا بما سبق أن أشرت إليه ذات مرة من كون إحدى الكتل النيابية وهي كتلة البحرين قد وعدت المواطن إبّان تشكيلها بأنها ستكرس وقت المجلس في حل كل ما يلامس حياة المواطن لاسيما الطبقة الفقيرة وحل الملفات الخدمية العالقة إضافة إلى سعيها الحثيث لتوفير فرص العمل والقضاء على البطالة..إلخ. لكننا اليوم نشهد أنّ كل الوعود تبخرت في الهواء. كنّا سنغفر لأعضاء كتلة البحرين الذّين لو أنّهم كانوا أقلّ تواضعا في إطلاق الوعود لسبب بسيط هو أنّه ليس أسهل من إطلاق الشعارات وليس أصعب من تحويلها إلى حقائق. هل يملك أعضاء الكتلة الشجاعة للاعتراف بأسباب إخفاقاتهم؟
قد يخرج علينا أحد الأعضاء بتبريرات لا حصر لها في أنّ فشل مشروعاتهم مردّه هو الخلافات بين الكتل، وأنّ كل كتلة هي الأولى بطرح القانون من غيرها ونحن نتفق معهم في كونها ظاهرة غير طبيعية، لكن كان الأجدر بهم التأني في طرح المبادرات والمشاريع الوهمية بهدف كسب ثقة المواطن.
ويبقى أن نؤكد حقيقة لا لبس فيها، وهي أنّ ما ترسخ في ذهن المواطن من إحباطات وخيبات تتحملها الكتل النيابية جميعها. على أقلّ تقدير كان المواطن ينتظر موقفاً من الأعضاء يبرهن جديتهم، لكنّه - المواطن - لم يجن في النهاية سوى الهشيم.