في ضوء ما أسفر عنه تقرير ديوان الرقابة المالية من فساد في العديد من الهيئات والوزارات، فإنه بات من المحتم محاسبة المتورطين في القضايا كافة، ولن يتأتى هذا إلاّ بتحويل ديوان الراقبة المالية إلى ديوان للمحاسبة. من الطبيعي أن يكون التساؤل هو أين مجلس النواب عما يجري من فسا ؟ وهل يبقى مكتوف الأيدي دون أن يتخذ موقفاً حازماً لمواجهته؟
أشار أحد أعضاء المجلس النيابيّ ذات مرة إلى أنّ الذي يمنع المجلس من القيام بدوره إزاء مثل هذه القضايا هو الآليات التي تحكم عمل المجلس؛ ذلك أنّ إعطاء الرأي النيابي لا يتم إلاّ بعد أن يخرج التقرير من اللجنة المالية، وهذا يتطلب الكثير من الوقت. لكنّ الذي يبدو جليا أنّ السادة النواب بإمكانهم اللجوء إلى تفعيل أداة الاستجواب تجاه المتورطين في الفساد، وهي للأسف أداة رقابية معطلة حتى اللحظة.
ولا ندري لماذا يبقى النواب غير مكترثين بمساءلة المسؤولين رغم أنّ الشواهد تؤكد ضلوع فئة فيها. الذي نما إلى علمنا أنّه في كل مرة تنوي فيها إحدى الكتل تقديم الاستجواب فإنّ كتلة أخرى تقف لها بالمرصاد حتى تفشله، الأمر الذي يدفع ببقية الأعضاء والكتل الإحجام عن تقديم الاستجواب. الدفاع عن المال العام يقع ضمن أساسيات مهمات النائب والتخلي عنه هو تفريط بواجب أساسيّ.
لسنا نختلف في مهنية الاستجواب بمعنى توخي الدقة والمزيد من الحذر لكن إزاء قضايا الفساد مما كشفت عنه تقارير الرقابة المالية على مدى العشر سنوات الفائتة فإنّ الأدلة قاطعة وموثقة بما لا يمكن التشكيك فيها. إضافة إلى أنّ الفساد هو قضية تهم الجميع، وآثار الإخلال أو التهاون فيها تطال جميع الفئات.
لم يعد ثمة مبرر واحد لتقاعس السادة النواب عن مساءلة المتجاوزين والفاسدين. ولا مناص من محاسبة جميع المتجاوزين في مواقع المسؤولية.
المؤسف أنّ كل محاولات الاستجواب تنتهي بالفشل، والأسباب واضحة وتتلخص في الخلافات بين الكتل أحياناً وتقاطع مصالحها أحيانا أخرى، وغياب التنسيق بينها في أغلب الأحيان. وتبقى الصورة المنطبعة في ذهن المواطن أنّ النائب غالبا ما يطلق التصريحات والبيانات، بيد أن الواقع يثبت أنها للاستهاك ليس إلاّ.
غني عن البيان أنّ جميع النواب على علم بما تحفل به تقارير الرقابة المالية. ولا نشك أنهم شعروا بالصدمة كالمواطنين تماما، لكن المفارقة أن عمر صدماتهم لا تتعدى في أحسن الأحوال بضعة أيام، ثم يعودون إلى حالتهم الأولى. وأتذكر أنّ اللجنة المالية كانت قد أصدرت توصيات قبل فترة بينها “أن يبادر المجلس إلى إبلاغ النيابة العامة عن المخالفات الواردة في تقرير الرقابة المالية والإدارية متى توفرت الأدلة الجدية بأنّ تلك المخالفات تشكل جرائم جنائية”.
المفارقة الباعثة على السخرية أن الجهات كافة ممن أشار إليها ديوان الرقابة المالية بالتعدي على المال العام لا تكترث بالتقرير على الإطلاق، بدليل أنها تكرر التجاوزات عاما بعد الآخر. والحقيقة أننا لا نندهش إزاء هذا الأمر طالما أنها بقيت بمنأى عن أي عقوبة من أي جهة تذكر لا من السلطة التشريعية وحدها بل من الجهات الأخرى كافة.
وما يدعو إلى الغرابة من الهيئات والوزارات ممن ثبت تورطها في الفساد أنها تبادر إلى نفي ما ورد حينا وإلى تبريرها أحيانا أخرى، والأدهى أنها تتعهد بوقف المتورطين، وهذا ما لم نجد له أي مصداقية على أرض الواقع.