العدد 1897
الثلاثاء 24 ديسمبر 2013
أعتذرُ عمّا فعلت محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 24 ديسمبر 2013

الخطأ أحد سمات الإنسان مصداقاً لقول رسولنا الأكرم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله “كل ابن آدم خطاؤون وخير الخطائين التوابون”، السؤال من منّا لا يخطئ؟ نحن نخطئ؛ لأننا لسنا أنبياء، لأنّ الأنبياء هم وحدهم الذين لا يخطئون لكونهم معصومين. وإذا كنا متفقين على الخطأ، فلماذا لا نعتذر؟ أليس الأفضل التراجع عن الخطأ بدلا من الإصرار والتمادي عليه؟
الحقيقة أنّ قلّة من الناس من يقدمون على الاعتذار، أمّا الغالبية فإنها للأسف البالغ تكابر رغم اعترافهم بما يخلفه هذا السلوك للآخرين من آثار مدمرة. إنّ التصور بأنّ الاعتذار يقلل من قيمة الشخص هو محض وهم، بيد أنّ الذّي استقر في في الأذهان السليمة هو أن الاعتراف بالخطأ يرتقي بمكانة الفرد وشخصيته.
يمكننا أن نستحضر هنا نموذجا راقيا وفريداً في التسامح والاعتذار من تاريخنا الإسلامي وبالتحديد إبّان عصر الرسول الكريم (ص)، وهو ما جرى بين الصحابيَين الجليلَين أبوذر الغفاري وبلال بن رباح. القصة كما رواها أبوذر الغفاري قائلا: كنت ساببتُ (شتمت) بلالا وعيّرته بأمه، قلت له يابن السوداء. فشكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. قال لي النبي (ص) يا أباذر، أعيرته بأمه؟ إنّك امرؤ فيك جاهلية. فوضعت رأسي على الأرض وقلت: يا بلال: ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي. فقال لي بلال: إني قد سامحتك.. غفر الله لك. وبدورنا نتساءل، ألا يعدّ ما أقدم عليه أبوذر مثالاً راقياً للتسامح يجب أن نقتدي به اليوم، خصوصا في ظل ما يعصف بمجتمعنا من خلافات وصراعات متأججة؟ كم نحن بحاجة إلى تنمية ثقافة الاعتذار والتسامح حتى يمكننا حل العديد من القضايا الاآخذة في التأزم يوما بعد الآخر. أما المكابرة والعناد فإنها لا تفضي إلاّ إلى المزيد من النزاع الذي نهى عنه القرآن المجيد في أكثر من موضع كما في قوله تعالى “ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم”.
السؤال الجدير بالبحث هنا، لماذا ثقافة الاعتذار غائبة عن مجتمعنا؟ يعزو البعض المسألة إلى الخلفية التربوية الكامنة في ثقافتنا والقائمة على أنّ “الرّجل لا يعتذر.. لكونه رجلاً فقط”، وقياسا على هذا فإنه غير مسموح بالتعبير عن مشاعره حتى يعتذر. إضافة إلى ما استقر في الأذهان عبر أجيال من أنّ الاعتذار يقلل من الرجولة بل يظهر الرجل بالشخص بالضعيف!!
 وبناءً على ما أسلفنا، هل نندهش لكون أطفالنا يشبون وهم مسكونون بأنّ ثقافة الاعتذار عيب كبير، وعلى الرجل أن يتجنبها؟ وبدلاً منها ترسخت ثقافة نقيضة تماما مؤداها أنّ الرجل هو الأقدر على مواجهة الأزمات.
 قبل بضعة أشهر كنت أستمع إلى إحدى الإذاعات وكان الحديث يدور حول الاعتذار. شدّني بين الشهادات قول أحدهم. أنا لا أعترف بخطئي لوالدي؛ لأنني لو اعترفت فإنه سيغضب منيّ. آخر قال إن الاعتراف بالخطأ فضيلة، ومن هذا المنطلق فإنني أسارع إلى الاعتذار؛ لأنه طريق إلى الفضيلة. أما البعض صرحوا بأنّهم يعتذرون عن الأخطاء الكبيرة، أما التافهة أو الصغيرة فلا يجدون مبررا للاعتذار عنها!
ولنشر ثقافة التسامح، فإنّه لابدّ أن تنهض مؤسسات كالبيت والمدرسة والإعلام بأدوارها التربوية بوصفها جميعا مؤسسات تربوية يجب عليها تنمية البناء القيمي وتجنب إشاعة الانتقام والهدم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية