المحنة التي يعيشها الشعب السوري متعددة الأوجه.. أحد أبشع تلك الوجوه ما يلاقيه الإخوة السوريون من معاناة في الشتات والمهاجر القسرية أمضّها على النفس ما فرضته الأنظمة العروبيّة من شروط مهينة بحق إخوة الدّم والتراب. إحدى الحكومات العربية وشعبها بالمناسبة أحفاد مقاومي الاستعمار تطالب السوري المهاجر بشهادة إيواء وكفالة مالية وبألف دولار ومثلها عن كل فرد من أسرته لتمنحه فقط إقامة مؤقتة مدتها 45 يوماً قابلة للتجديد وللرحيل أيضاً!
دولة عربية أخرى ممن دفعتهم الأقدار للرحيل إليها تتفنن في التعامل إزاءهم بكل صلافة، وبتعبير أحد الإخوة السوريين كما لو كان هؤلاء اللاجئون غزاة ويشكلون تهديدا لأمنها القومي أو استعمارا سيذيقها الدمار. علماً أن أعدادهم لا تتعدى بضعة آلاف تشكل النساء والأطفال الأغلبية الساحقة منهم. لقد كشفت الأزمة السورية زيف الادعاءات العربية التي تتظاهر بالأخوة ووحدة المصير، ذلك أنها لم تستطع إيواء بضعة آلاف من الإخوة السوريين. ومع امتداد الصراع إلى أغلب الأراضي السورية اضطرتهم الأحوال إلى النزوح المستمر إلى مناطق أكثر أمناً في البلاد المجاورة كالأردن والعراق ومصر وتركيا.
سوريا تعيش في خاطر الملايين العرب بوصفها الملاذ والمأوى. وعندما تضيق بهم أوطانهم فإنّ أبوابها السبعة مشرعة لأشقائها. وليس هناك عربيّ واحد يمكنه القول إنّ سوريا أغلقت أبوابها في وجهه. ومن هنا يغدو السؤال جارحاً كيف إذا يعامل السوريين اليوم كالغرباء وهم بين بني جلدتهم؟
في لبنان وهي الدولة التوأم لسوريا يبدو الوضع بالغ الصعوبة، إذ يتعرض اللاجئون السوريون إلى هجمات مع تفاقم المشاعر المعادية لهم. فبينما ترحب بهم جماعة من اللبنانيين بدا الآخرون من الطوائف الأخرى أقلّ ترحيباً. أحد اللبنانيين عبّر بالقول “حكَمَنَا السوريون طوال ثلاثين عاما، فكيف يمكننا أن نحبّهم؟ بل إنّ مشاعر الكراهية بلغت حدّ قول أحدهم “أتمنى أن تقضي الحرب عليهم جميعاً”. ومنذ بدء الصراع في سوريا عندما بدأ السوريون يفرون إلى لبنان بأعداد كبيرة اشتدت حدة كراهية الأجانب الموجودة أصلاً خوفا من أن تقوم المعارضة السورية باستخدام لبنان كقاعدة لنضالها.
وليست الأحوال في الدول العربية الأخرى بأحسن من ذلك؛ لأنّ الأشقاء السوريين هربوا من النزاعات المسلحة في بلدهم إلى الدول المجاورة ليجدوا أنفسهم في واقع شديد القسوة يتاجر بآلامهم وإنسانيتهم.
أعداد اللاجئين السوريين تجاوز المليوني إنسان طبقا لبيانات المفوضية العليا للاجئين. أمّا الغير مسجلين فإنه يبلغ أضعاف هذا الرقم. ويقدر البعض العدد الحقيقي للاجئين بأنّه تجاوز الأربعة ملايين. وفي حالة تأجج الصراع بين الأطراف المتصارعة فإنه من المتوقع أن يناهز ضعف هذا العدد، وهذه كارثة إنسانية بكل المقاييس لابد من التصدي لها.
الأطفال بطبيعة تكوينهم هم من يدفعون الضريبة الأكبر، وهؤلاء يشكلون أكثر من النصف. مأساتهم آخذة بالتفاقم نظرا لتزايد حدة الصراع. ومعاناتهم نفسية ومادية وجسدية. وفي الوقت ذاته يعانون نقصا فادحاً في مراكز الإيواء ونقص في الرعاية الطبية. كما أنهم في ظل الأزمة انقطعوا عن دراساتهم وحقهم في التعليم. أمّا المرأة السورية فإنّها دفعت الأثمان باهظة تشريدا وتنكيلا واعتقالاً، وتحملت المسؤولية بصبر وشجاعة قلّ نظيرهما. فمعظمهن فقدنّ أزواجهنّ، وبالتالي فإنّ عليهنّ حماية أطفالهنّ والبحث عن ملاذات آمنة ولقمة عيش كريمة. عمليات التهجير التي يتعرض لها الشعب السوري بتعبير مسؤول دوليّ “أصبحت مأساة هذا العصر الكبرى، وهي كارثة إنسانية مشينة مع ما يواكبها من معاناة وعمليات تهجير لم يشهدها التاريخ الحديث”.