العدد 1778
الثلاثاء 27 أغسطس 2013
أنقــذوا مــربـــي الأجيـــــال محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الثلاثاء 27 أغسطس 2013

عندما طالب رجال القضاء في المانيا الحكومة الالمانية برفع مرتباتهم ليصلوا الى مستوى المعلمين لانّ مرتب القاضي في المانيا اقل من مرتب المعلم بكثير وهو حق مشروع لهم المطالبة بمساواتهم بأقرانهم من المعلمين الذين يحصلون على رواتب اضعاف القضاة. ولمّا بلغ الامر الى قمة هرم السلطة التفيذية في البلاد وهي المستشارة انجيلا ميركل عقدت مؤتمراً صحافياً موسعاً لترد على هذه الفئة الحساسة في الدولة فقالت “كيف أساويكم بمن علّموكم”؟ وبهذه الاجابة المختصرة فانّ ميركل قد لقنت ليس قضاة المانيا ولا جميع القوى المهنية فيها وحدهم درسا اخلاقياً لا نظير له بل قدمت للعالم اجمع انموذجا راقيا لكيفية التعاطي مع هذا الانسان!.
طبعاً نحن لسنا بحاجة الى التذكير بما ورد في تراثنا الاسلامي من اقوال قدّست مكانة المعلم فهذا ما تحفظه ذاكرة الكثيرين. ونكتفي بالتوجيه النبوي الحكيم بمقولة خالدة مفادها “من علّمك حرفا فانّه سيّدك الى يوم القيامة”. أما في عالمنا العربي والاسلامي الذي يزخر تراثه بالاقوال الداعية الى رفعة شأن المعلّم فانّ المفارقة المثقلة بالسخرية هي انّ معاشر المعلمين لدينا لا يطالبون برفع رواتبهم أسوة بالآخرين بل إنهم يناشدون المجتمع بصون كرامتهم بتبنيّ عقوبات رادعة بحق فئة من الطلبة استمرأت اهانتهم والحط من شخصياتهم.
هذه الخطوة اذا ما قُدّر لها أن تأخذ مجراها في الواقع التربوي فانها لا تعد بأي حال من الاحوال منةً عليهم بل هو اعتراف بالجميل لهؤلاء الذين افنوا زهرة شبابهم في تعليم الاجيال وتعبيرا عن قيمة الوفاء لهم. وافضالهم على الامة لا حصر لها ابتداء من تحريك لمكامن القوة العلمية في الامة. فهم من يدين لهم بالفضل من يتقلدون المناصب العليا كالقضاة والوزراء وغيرهم من اصحاب الكفاءات في كافة المجالات. ليس ثمة من يتنكر لافضال المعلم وليس هناك من يجحد ادواره التربوية والاخلاقية في التوجيه عندما كان هؤلاء أطفالا بين يديه بإعادة تنشئتهم وتنمية ملكاتهم واستكمال شخصياتهم ومنحهم الفرصة تلو الاخرى في تحصيل كفاياتهم العلمية والمهنية. وخلاصة القول إنّ الجميع اليوم مدينون لاساتذتهم.  من بين ادوار المعلّم المتعددة أن يبرز دوره كقدوة حيث هو نموذج يحتذى وبدونه تفقد المهنة قدسيتها وسموها وبالأخص الجانب السلوكي بتجنب الالفاظ المنافية لدوره التربوي وقديما قيل “إنّ الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”. واتذكر هنا مقولة لاحدى الاديبات العربيات مفادها التالي: “اثنان لا يسمح لهما بالاستقالة من عملهما لاي سبب كان وهما المعلم والطبيب”. واذا كان الثاني مسؤول عن جسد الامة فانّ المعلم يتولى مسؤولية عقلها.
المعلمون لدينا يعيشون أوضاعا صعبة ليست المتمثلة في أوضاعهم المادية البائسة فحسب بل الادهى كما يتجسد أمامنا في ما يتعرضون له من سحق لكراماتهم اثناء تأديتهم لادوارهم التربوية والتعليمية. أما لو أردنا البحث في المعضلة فانها تكمن في كوننا نعيش الزمن المريض. ذلك أنّ المجتمع بكافة فئاته لا يقدر تضحيات هذا الانسان وجهوده الجبارة. الحقيقة أنّ المعلم لم يعد للاسف يتمتع بالشخصية التي كانت عليها الاجيال السالفة والتي يصفها البعض بالعصور الذهبية للمعلم.
وتتحمل الادارات المدرسية جانبا مهما من المسؤولية بما تمارسه من تسلط على رقاب المعلمين. وما كان لهذه الادارات ان تمعن في اذلال هذه الفئة لولا الصلاحيات الممنوحة لها. وكان الاولى أن تهيئ الاجواء المحفزة على العمل الجاد والخلاق بدلاً من اساليب القهر. الظاهرة المشار اليها لا تحتاج الى بحث فهي مرسومة على وجوههم بكل تفاصيلها وآلامها. ولا نملك الاّ أن نتوجه لوزارة التربية والتعليم بالرجاء الحار رفقاً بمربي الاجيال!.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية