العدد 1776
الأحد 25 أغسطس 2013
وترجّل الفارس النبيل محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأحد 25 أغسطس 2013

بعد رحلة طويلة من العطاء الإنساني البالغ الثراء يرحل عن دنيانا الفانية المغفور له بإذن الله تعالى الداعية النبيل عبدالرحمن السميط. ولو أردنا في هذه العجالة أن نعدد مآثر الرجل فانه يستعصي علينا ذلك لضخامة الانجازات وتنوعها. والحقيقة اننا في حيرة. هل نحن امام رجل واحد أم مؤسسة أم دولة بكل امكاناتها وأجهزتها؟ ليس من المبالغة القول إنّ حجم عطاء هذا الانسان تعجز عنه دولة بمؤسساتها.
وهذه لمحات سريعة من منجزاته الاستثنائية في قارة افريقيا وحدها. أسلم على يديه سبعة ملايين وخمسمئة الف انسان اضافة الى بناء خمس آلاف وسبعمئة مسجد وحفر تسعة آلاف وخمسمئة بئر ورعاية أكثر من خمسة عشر ألف يتيم وبناء ثمانمئة وستين مدرسة وانشاء اربع جامعات وتأسيس مئتين واربعة مراكز اسلامية لا تقل تكلفة الواحد منها عن مليون دولار وباختصار فإننا امام ظاهرة خارقة.
لعل ما يذهلك في هذا الرجل “الظاهرة” أنه استمر في العطاء طوال ثلاثة عقود دون توقف. ولا يمكن ايجاد تفسير لعبدالرحمن السميط سوى ايمانه العميق بالعمل الانساني الذي لا يبتغي منه سوى وجه الله. وكانت تقف الى جنبه وتؤازره امرأة من طراز خاص هي أم صهيب جزاها الله خيراً. لقد أكدّت لنا هذه المرأة الاستثائية كيف تكون الزوجة العظية تؤازره وتشد من عزمه لمواصلة رحلة الكفاح في سبيل الخير. عاشت معه أصعب لحظات حياته في مجاهل افريقيا.
لم يكن السميط غفر الله له واسكنه فسيح جناته ممن يرى السعادة في تكديس الاموال بل كانت له فلسفة خاصة عبّر عنها بقوله “انّ الذّي يجلب السعادة الحقيقية هو ما تودعه في بنك الله وليس ما تودعه في البنوك التجارية”. وهو ليس من هواة الشهرة ولو ارادها لتحصل عليها ببساطة وهذا ما نتعرف عليه من خلال تجنبه العمل السياسيّ.
انّ السميط بكل هذا الانجازات الاسطورية فانه استطاع تجسيد مفهوم الاخوة الانسانية متجاوزا ومترفعا عن الانتماءات الصغيرة والضيقة فلم يكن عطاؤه محصورا في ابناء بلده الكويت بل شمل كافة البلدان ولا ابناء امته العربية بل تعداها الى جميع ابناء الامة الاسلامية والافريقية وحتى أقاصي آسيا. ولاشك أنه أراد ان يجسد مفهوم الانسانية بكافة أبعادها.
وكما يتجلّى لنا من خلال مشروعاته المتعددة الاغاثية والرسالية ان يقول لنا “انّ البشر جميعهم على اختلاف أشكالهم وأجناسهم والوانهم” اما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق “ المقولة الذائعة التي تأخذ ابعادها الانسانية في فكر هذا الرجل وفي واقعه. وهذا المعنى الذي عجزت عن ترجمته العشرات من المنظمات الاسلامية طوال عقود.
لقد شكلّ الراحل السميط بمنهجه الانساني الرائع مصدر قلق لقوى التبشير الغربية وحتى الحكومات لكونه تجاوز في مشروعاته كافة الطرق التقليدية في الدعوة والتبليغ. والمذهل انه لم يتصادم مع هذه المؤسسات التبشيرية بل عرض التعاون معها وهذا يقدم الدليل على ما يتمتع به من افق فكري وانساني رحب. ولم تطق هذه المنظمات اسلوب الرجل فعمدت الى التحريض على مشروعه بهدف افشاله والنيل من مكانته واهدافه.
ويبقى القول إنّ الرسالة التي اشتغل عليها السميط بحاجة الى من يتكفل بها ومن المعيب أن تنقطع بوفاته. وكانت وصية الرجل أن لا يخضع مشروعه لاية تيارات دينية أو رسمية ليضمن له الاستمرارية والبقاء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية