العيدُ عنوان للفرح والسعادة، لكنّه في العالم الاسلامي يأتي خالي الكفين ومتثاقل القدمين وفارغاً من الأمل والفرح؛ نظراً لما يمّر به من فتن وآلام واقتتال بين أبناء الوطن الواحد للدرجة التي تجعلنا نردد مع شاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي: عيدٌ بأية حالٍ عُدت يا عيدُ لما مضى أم بأمر فيك تجديدُ”. وإذا كانت شكوى المتنبي تعبيراً صادقا عما ساد عصره من صراعات طائفية مقيتة أفضت إلى مذابح بين أبناء الأمة الواحدة، فلا نعتقد بأنّ الحال اليوم أفضل من ذلك العصر. وكأن أبي الطيب في إطلاق تأوهاته الشخصية آنذاك إنما كان يعني زمننا هذا، ونحن نعيش على مسافة تفصلنا عن ذاك العصر تقدر بألف سنة تقريباً.
من يتأمل الأحوال السائدة في عصر شاعرنا المبدع وعصرنا اليوم، فإنّه يكاد يقف على عناصر تشابه لا تخطئها العين. فهناك من كان يعمل على إشعال الفتن الطائفية، ومن يدأبون ليل نهار على الإساءة إلى الرموز التاريخية للمخالفين لهم. وفي زمن المتنبي كان البسطاء هم وقود في كل معركة تشعلها الرؤوس الكبيرة كما هم في عصرنا تماماً ولا نكاد نجد فارقا يذكر بين الحالتين إطلاقاً.
منذ أمدٍ ليس بالقصير ونحن لا نجرؤ على الاقتراب من لحظة فرح ولا عناق لحظة سعادة، وكأن هناك من يعمل بدأب على ترصد خطواتنا ويحيلها إلى أوقات للكآبة وحزن ابدي مما يجعلنا نتساءل بحرقة هل نحن أمة منذورة للعذاب، بل نستكثر الفرح ولو ليوم واحد؟ وبتنا فيه نتصور أن الفرح في حياتنا مؤقت وعابر كأي ظاهرة طبيعية سريعة! الفرح تحول في موروثنا إلى عادة مذمومة كما يقال في المثل العربي اللهم اعطنا خير هذا الضحك.
ولهذا يغدو التساؤل مشروعا كيف لجيل عابس ومنكسر ومهزوم من الداخل أن يتطور، وأن ينافس الأمم المتقدمة؟ بل كيف لآباء وأمهات يستكثرون على أنفسهم الابتسامة أن ينشئوا جيلاً ينظر للحياة بإيجابيّة وتفاؤل؟ وكيف لهؤلاء أن يغرسوا في نفوس الأجيال القدرة على خلق حياة أفضل لأمتهم؟ وأين نحنُ من سيد الخلق محمد بن عبدالله صلي الله عليه وآله وسلم الذي جسد بأفكاره النيرة وخلقه العظيم نظرة التفاؤل للحياة والوجود بما يشيعه من إيمان وإيجابية فيمن حوله عندما قال لصاحبه في الغار الخليفة أبي بكر الصدّيق وهو يعيش واحدةً من أحرج اللحظات التي مرت عليه “لا تحزن إنّ الله معنا” ألا يدفعنا مثل هذا الموقف إلى أن نقتنص كل لحظة من حياتنا إلى إشاعة الفرح والبهجة فيمن حولنا؟
ربّما يحتج علينا البعض بأنّ الأوضاع التي تعيشها أوطاننا العربية والأسلامية لا تتيح لنا الفرح، إذ إن الأمة من أقصاها إلى أقصاها تحولت إلى مدن تسكنها الأحزان وأخرى استحالت إلى مدن أشباح واقتتال على الهوية وصراعات لا تنتهي. وبالتالي ندر أن تجد مدينة عربية واحدة خارج هذا السياق. وبناءً عليه، فإنّ الدعوة إلى الفرح تبدو شاذة وخروجاً على الأعراف الداعية إلى مواساة الآخرين ..الخ.
لسنا ننكر أنّ الأحداث المأساوية باعثة على الألم والكآبة، لكنّ المطلوب من الإنسان اقتناص لحظات البهجة لكسر روتين الحياة والتجديد والقدرة على العطاء. وإنّ ناموس الكون قائم على ثنائية الحزن والسرور وإنّ الحياة يستحيل أن تستمر إذا كان ديدنها السوداوية والاكتئاب. ولذا، فإنّ الإنسان العربيّ أمام خيارين إما التسامي على جراحه وأحزانه، وإما البقاء مهادنا للحزن وتحمل تبعاته وآثاره.