لم يعد السؤال الذي يواجه الكثيرين هو كم يتبقىّ من الراتب في آخر الشهر؟ بل إن السؤال الأشد مرارة يتمثل في أين يذهب الراتب؟ تشير الأبحاث الاقتصادية أنّ الإيجارات تلتهم النسبة الأكبر من رواتب البحرينيين بما تقدّر بالثلث تقريباً يتساوى في هذا من انتفعوا بوحدات من وزارة الإسكان أو من تعاقدوا بإيجارات خاصة.
وبالتالي، فإنّ المشكلة الإسكانية باتت هاجساً للأغلبية من القابعين على رصيف الانتظار. وبالنظر لارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف البناء الباهظة، فإنّ تملَّك المواطن مسكنا مناسبا أمسى حلماً بعيد المنال، وأصبح استشراف حلول قريبة للمشكلة المؤرقة لأغلبية الأسر البحرينية أمرا صعباً. رغم ما طرق أسماعهم عن المارشال الخليجي الذّي عدّوه بمثابة الحل السحري لجميع مشكلاتهم الحياتية.
المواطنون أيضاً استبشروا بالزيادة المقترحة من أعضاء المجلس النيابيّ وتصّوروا أنها ستخفف من عناء تكاليف المعيشة الآخذة في التفاقم، إلاّ أنّه ما إن صدر الإعلان عنها، فإنّ أحلامهم سرعان ما تبددت بعد أن تقلصت النسبة إلى ما دون الربع! فارتدّ البصر إليهم خاسئاً وهو حسير.
قلةٌ من المواطنين من استطاعوا التغلب على هذه المعضلة بالبحث عن عمل إضافي، بينما بقي تفكير الأكثرية منصّبا على الراتب في نهاية الشهر. ولا أعتقد أنّ هناك فارقا كبيرا بين موظفي القطاعين العام والخاص في مستوى الرواتب بعكس ما يظنه الكثيرون من أنّ موظفي القطاع الخاص يتمتعون بمزايا لا تتوفر لدى القطاع الحكومي.
البعض يلقي باللائمة على الأسرة العربية عموما في كونها تعاني خللا رهيبا في مفهوم الصرف والادخار، إذ إنّ معظم اهتمامها يوجه إلى الجانب الاستهلاكي والطعام وحده يستهلك نصف الدخل، وينعدم لديها الوعي بالاستثمار طويل المدى أو التخطيط لمستقبل أبنائها كتوفير أقساط الجامعة، كما أشارت إلى هذا دراسة أجريت قبل سنوات، وكأنّ اهتمام العرب عموما لا يتركز إلاّ في بطونهم، اذ بلغت نسبة الانفاق على الطعام 45 % من مجموع الدخل.
إنّ السؤال المطروح أمام كل فرد منّا هو التالي: كم هي نسبة الأسر التي توفر من دخلها لتعليم أبنائها تعليماً جيداً؟ وكم هم الآباء الذين فتحوا حساب ادخار لأطفالهم ؟ وبالمقابل، فانّ السؤال الذّي لا نتردد من طرحه هو: لماذا يبقى خيار أغلبية الأسر لدينا هو السفر سنوياً في تجاهل لترتيب أولوياتها؟
إنّ من يمتلكون ثقافة الاستهلاك ممن تساعدهم على حسن استغلال الراتب في الأوجه الصحيحة هم - إذا كنا متفائلين – لا تتجاوز نسبتهم الـ 5 % فقط. أمّا الاغلبية، فإنها تميل إلى التبذير والإسراف. إنّ ثقافة الاقتصاد غير متوفرة، وكان يفترض أن يبادر الإعلام بوصفه الأشدّ تأثيراً بترسيخ هذه الثقافة لدى هؤلاء. ولا يمكن إغفال دور جهات أخرى كرجال الدين ببث الدعوة إلى ترشيد الإنفاق من خلال تعلّم الاستهلاك بشكل إيجابي.
على ضوء ما أشرنا إليه من حقائق وغيرها مما غاب عن أذهاننا، فانه بات من المحتم إعادة النظر في الإساليب المتبّعة للإنفاق وقبلها في أولويات الإنفاق ذاتها. انّ معدلات الانفاق ترتبط بازدياد تحضر المجتمع وارتفاع مستوى التعليم.
بالنسبة إلى فئة المتقاعدين، فإنهم الفئة الاكثر تضررا عند إحالتهم للتقاعد إذا ما علمنا بأنّ ما يتحصلون عليه عند تقاعدهم ينخفض إلى ثمانين بالمئة، وبالتالي فإنهم يشكون مر الشكوى من أنّ رواتبهم لا تكفي لتدبير شؤون حياتهم وبالأخص إذا وضعنا في الاعتبار ما ينتظرهم من أعباء في مرحلة ما بعد التقاعد.