أسئلة موجعة غالباً ما نتهرب منها نحن المسلمون بل لا نحب الاعتراف بها من قبيل لماذا هجرنا القرآن المجيد؟ ولماذا لا نتذكره الاّ عندما يحل علينا شهر رمضان المبارك وبعدها ننصرف من جديد إلى أعمالنا وهمومنا من جديد. بل الحقيقة الأشد مرارة اننا نحنُ أمة الاسلام لم نقرأ القرآن كما يجب قراءته.. ونعني بها القراءة المتأملة الواعية التي تتدبر معانيه.
المفسرون على اختلاف توجهاتهم ومنذ عشرات السنين اشتغلوا بدأبٍ على تفسيره وتأويله لكن الملاحظة الجديرة بالذكر هنا كم عدد الذّين توقفوا متأملين ومستجلين الموعظة والعبرة؟ لاشك أنّهم قلة بين الاعداد الهائلة من أمة الاسلام التي تربو على المليار نسمة.
ثمة سؤال يثار منذ قرن أو أكثر طرحه أحد مفكري الاسلام وهو عنوان لاحد المؤلفات الشهيرة هو لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ ومازال السؤال يردده الملايين من أبناء الامة الاسلامية اليوم بحرقة وهو لماذا تفوق الغرب علينا في جميع المجالات نحن المسلمون رغم أننا نملك هذا الكنز الذي لا يقدر بثمن وهو القرآن المجيد؟ أليس حريّاً بنا - والمعنى ينصرف الى المسلمين في جميع اقطارهم - ان نأخذ العبرة منه؟ وهل نكتفي من كتاب الله بترديد ألفاظه دون إعمال النظر في معانيه؟.
لقد نسينا في غمرة هجرنا لكتاب الله أنّ هذا الغرب هو من أخذ بسنن القرآن كالعمل الدؤوب وإعمال العقل وإتقان العمل.. الخ. وإلاّ ما فائدة تشدقنا بأننا امة القرآن ونحن ابعد ما نكون عن مبادئه؟ وكمثال فقط فإنّ القرآن الكريم أمرنا بالعمل كما في قوله تعالى “وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله” لكن السؤال أين هم الذّين يعملون طبقا للآية الكريمة؟ والقرآن المجيد حثنا على الاتحاد والاعتصام بحبل الله كما في قوله تعالى “واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا”، بيد أنّ السؤال هنا هل نفذنا ما أمرنا به القرآن أم عملنا نقيضه تماما؟ أي اننا تحولنا نحن المسلمون الى اشبه بالحيوانات التي تعض بعضها بجنون؟ والمأساة اننا نفعل كل هذا ثم نتهم الغرب بأنه وراء كل هذه الافعال؟.
إنّ المسلمين لن يخرجوا من دائرة التخلف وحالة الذّل والهوان الواقعين فيها منذ آمادٍ طويلة ما لم يتبّعوا ما دعا اليه القرآن الكريم بصريح آياته البينات في قوله تعالى “انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم” (الرعد 11) أما المعنى لهذه الآية الشريفة انّ الله لا يغير ما بقوم من خير الى شر ومن شر الى خير ومن رخاء الى شدّة ومن شدّة الى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم فإذا كانوا في صلاح واستقامة ثم غيروا غير الله عليهم العقوبات والنكبات والشدائد والجدب والقحط والتفرق.
الحقيقة الأخرى التي لا يريد المسلمون الاعتراف بها أنّهم أسرفوا على أنفسهم كثيراً وأهملوا تعاليم دينهم ونسوا أو تناسوا “أنّ الله يمهل ولا يهمل” ولا يظننّ احد ان يجهل عقوبة مخالفة المبادئ القرآنية لكنّ الكثيرين يتناسونها ويتساهلون إزاءها.
وللمفكر الاسلامي المعروف الدكتور حسن حنفي مقولة ذائعة فجرت جدلاً واسعا في مصر قبل سنوات مفادها أنّ القرآن الكريم تحول الى اشبه بالسوبر ماركت يحتمل تفسيرات متناقضة مما يتيح لأي كان أن يجد فيه ما يشاء. والخلاصة أنّه لا يمكن أن تستقيم أمورنا ولن نبلغ شأنا عظيما كالذي بلغه الغرب من الحضارة ما لم نأخذ بما جاء به كتاب الله المجيد.