حين قامت “ثورة” يوليو في مصر عام 1952م أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بسجن الفنانة تحية كاريوكا. أما الأسباب وراء هذا القرار فانّها تتلخص ببساطة في كونها (أطالت لسانها) لانّها قالت في مكان عام وهو المكان الذي تمارس فيه عملها وهو مكان يرتاده الآلاف من المعجبين بفنها قولتها المشهورة وسمعها العديد من الناس (راح فاروق وجونا فواريق) وكانت تعني بهذه العبارة هم الضباط الأحرار الذين قبضوا على السلطة بعد اسقاط الحكم الملكي بقيادة الملك فاروق.
كما يروي كاتبٌ مصري انه في أحد ايام الجمعة في شهر مارس من عام 1954م ولم يكن حينها قد اكمل العام السابع من عمره انّ والده تأخر في العودة الى المنزل حتى ساعة متأخرة من الليل منذ ان ذهب كعادته في ذلك الوقت لصلاة الجمعة في مسجد بمنطقة السويس ويمارس هوايته التي يحبها كثيراً وهي القاء خطبة الجمعة. غير انه لم يرجع في ذلك اليوم وطال غيابه وطال قلق عائلته عليه. الى ان سمعنا طارقا بالباب يخبرنا بأنّ والدي قد قبض عليه عقب صلاة الجمعة بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وكان قد تحدث في ختام الخطبة عن الصراع الذي كان يدور في ذلك الوقت حول قضية الديمقراطية في مصر التي حسمت لصالح الحكم الفردي لعبدالناصر حيث انهى الوالد حديثه الى المصلين بعبارة لم تنسها ذاكرتي وهي (راح فاروق وجاءنا خازوق). وكانت العبارة والسياق الذي قيلت فيه كفيلة بأن يصحبه المخبرون الى قسم الشرطة ومنها الى معتقل العامرية.
المثير في الامر انّ الرجل لم يكن ينتمي الى جماعة الاخوان المسلمين التي كانت تطاردها الدولة بسبب ما اشيع حينها عن مؤامرة ارهابية نسبت اليهم والتي تم في سياقها اعدام المفكر الاخواني سيد قطب وعدد آخر من الشباب المتهمين بإسقاط الحكم. اما الاغرب على الاطلاق فإنّ العلاقة بين الاخوان والثورة كانت طيبة جداً الى الحد الذي استثنى فيه الاخوان – وهم من ساندوا الثورة - من حلّ جمعيتهم باعتبارها جمعية دينية دعوية. لكنّ هذه العلاقة لم يقيّض لها ان تستمر بسبب طموح الاخوان بالمشاركة في السلطة. بل انّ العلاقة بين الطرفين توترت لاقدام “الثورة” باغتيال عدد من قيادات الاخوان ومن ثم تحولت الى حالة من العداء بين الحكم من جهة والاخوان من جهة اخرى واستمرت حتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م.
اليوم يعيد التاريخ نفسه لكن هذه المرة بين الاخوان المسلمين وشباب الثورة الذين لا يمكن لأحد ان ينسى فضلهم وتضحياتهم وكونهم من فجروا الثورة وسبب انتصارها اما الاخوان فكان موقفهم مترددا وبالأحرى فوجئوا بقيامها ولم يكن امامهم خيار سوى الالتحاق بها ومساندة القوى السياسية بوصفهم حزبا معارضاً. ويجب هنا التأكيد على انّ جماعة الاخوان يمتلكون من الدهاء السياسي ما لم يكن لدى التيارات السياسية الاخرى.
المؤسف والمحزن انّ ما كانت تمارسه السلطات السالفة من ملاحقات واعتقالات بحقهم على مدى سبعين عاما فإننا نشاهد بأمّ اعيننا ما يفعله الاخوان المسلمون بحق الآخرين من القوى السياسية المعارضة.
أي انّ ما كانت تشكو منه الجماعة من حظر سياسي واتهامات لإبعادها عن الحكم هو بالضبط ما تمارسه اليوم. كان التحدي امام الإخوان هو كيف ينتقلون من حالة التخوين والارهاب الى تقديم انفسهم باعتبارهم قوة ديمقراطية دون سوق الاتهامات بلا دليل. ما يطالب به المصريون هو “دولة مدنية حقيقية تقوم على المواطنة والديمقراطية استنادا الى مرجعية اسلامية رصينة شبيهة بما هو في تركيا.. لكنّ الواقع للأسف لا يذهب في هذا الاتجاه.