مَن منّا لا يتذكر هذه العبارة الشهيرة التي ترسخت في اذهان اجيال من المربين أبّان عقود متوالية. اليوم يتذّكرونها بحسرة وألم جرّاء ما يلاقونه من اساءات لا حدود لها من طلاب هذه الايام. كان وليّ الامر بعد مقابلته لأحد معلمي زمان عادة ما تكون نهاية اللقاء هو عبارة عطيناك اللحم عطنا العظم. المدهش انّ العبارة تطلق على مرأى ومسمع من التلميذ والذي كانت ترتعد فرائصه من وقعها نظرا لما سيحل به من عقاب لو أنّه أساء الادب أو أهمل في واجب من واجباته.
الآباء آنذاك بالطبع كانوا يتوخون من اطلاق عبارة عطيناك لحم عطنا عظم هو ان يولي المعلم جُلّ عنايته بالتلميذ ومن الأب الحريص على تنشئة الطالب تنشئة سليمة والنجاح في حياته العلمية والعملية. لكنّ الموضوعية تقتضي القول انّه رغم ما اتاحته المقولة من حرية للمعلم لبناء شخصيته بيد أنّ البعض من هؤلاء المعلمين لم يكن في الواقع بحاجة الى مثل هذه الوصايا فهي من البديهيات الراسخة في ذهنه. وهناك من أساء استخدامها الى الحد الذي يتيح استخدام كافة الوسائل من”لطراقات” التي تجعل الدنيا تلف من حول التلميذ الى الرفس والركل ناهيك عن الخيزران التي تخلف اثاراً على الجسم تبقى لعدة أيام.
السؤال اليوم: هل منع العقاب البدني أفسد هذا الجيل؟ نستطيع ان نقرر وبثقة انّ تلك الاساليب في التربية لها سلبياتها العديدة لكن في الوقت ذاته لها بعض الايجابيات لا تنكر. من سلبياتها انّها اعاقت الكثيرين من ابناء ذلك الجيل من الابداع اذ كانت التقاليد تمنع الصغار أكانوا داخل المدرسة أم خارجها من التعبير عن الرأي وعن ما يجيش في النفس من آراء وافكار وربما فقدنا الكثير من المواهب والطاقات الممكن ان يصبح لها دورها في المجتمع.
المتخصصون في العلوم النفسية يردون اضطرابات الشخصية التي تعتري الكثير من ابناء ذلك الجيل الى هذا النوع من السلوك والافراط في التعذيب الجسدي والنفسي الى الحد الى خلق منهم شخصيات غير قادرة على مواجهة الآخرين أو الوقوف امام الجمهور وجها لوجه والتعبير عندما يطلب منهم.
واذا كانت النظريات التربوية الحديثة لا تجيز هذه الاساليب لما تؤدي اليه من نتائج سلبية فإنّ المطلوب كما يؤكد المربون عدم ترك الحبل على الغارب ويقصدون بالطبع ان يتفهم اولياء الامور موقف الهيئات التعليمية والادارية بالمدارس من انّ عملية التعليم تتطلب موقفا حازماً من الآباء تجاه ابنائهم. ذلك انّ توجيه الخبرات التعليمية والاتجاهات التربوية والسلوكية تحتاج الى اجواء من الاحترام.
انّ عبارة “اعطيناك لحما اعطنا عظما” تحمل في ثناياها ابعاداً تمس بشخصية المعلم ليس اقلّها ان المعلم اشبه بالجلاد وهو ما يتناقض تماما مع ادوار المربين كرسل هداية. أو انّ المعلّم تحول الى مخلوق خال من الرحمة وقلبه قُدّ من الصخر . القسوة ليست من الوسائل المطلوبة لتوصيل المعلومة بل انّ الذّي ثبت من خلال التجارب انّها وسيلة غير تربوية وفاشلة.
انّ المعادلة بالتأكيد ليست سهلة كما يتصورها الكثيرون ممن هم خارج العملية التعليمية ففي الوقت الذي نطالب هؤلاء المعلمين بالتعليم الجيد والفعال ورغم ما يواجهونه من تحديات كبيرة في هذا الوقت لا نجد من يساندهم لتأدية ادوارهم التربوية ونعني تذليل الصعاب امامهم بتوفير الاجواء المساعدة واهمها على الاطلاق فرض هيبة المعلم امام طلابه.