العدد 1742
الإثنين 22 يوليو 2013
إخفاق الإخوان المسلمين في حكم مصر د. باقر النجار
د. باقر النجار
عمود أكاديمي
الإثنين 22 يوليو 2013

جماعة الإخوان المسلمين هي حركة أممية، لا تغطي فروعها المنطقة العربية فحسب، وإنما تذهب امتداداتها الأيديولوجية لتغطي معظم الدول الإسلامية، بل إن خلاياها قائمة وفاعلة في الكثير من الدول التي يتواجد فيها أنصارها ومريدوها في العالم الغربي والآسيوي. وهي نتيجة لذلك تتشابك من حيث الأيديولوجية وبعض التوجهات الثقافية مع حزب العدالة والتنمية التركي، ومع الحركات الاسلاموية في الهند وشرق آسيا ونزعاتها وقيمها تبدو متمثلة في جل المنتسبين إليها مهما اختلفت فضاءاتهم الجغرافية. ومع ذلك، فهناك قدر من الاختلاف والتباين في قدر التغيرات التي خضعت لها فروعها في المنطقة العربية. فتنظيمات الإخوان المغاربية بدت ذات قدرة أكبر على التغيير وقابلية أعلى على التكيف مع المستجدات والمتطلبات التي تفرضها عليه الفضاءات والمواقف السياسية التي تقع أو تكون فيها.
وليس جديدا القول إنها كجماعة وكحركة أيديولوجية، بل مغرقة في الأيديولوجيا تحاكي في ذلك الكثير من الحركات الأيديولوجية العالمية، بل وتبنت في ذلك جل ممارساتها التنظيمية وطرق بنائها الأيديولوجي وتحديدا الحركة الشيوعية العالمية في مراحلها الأولى. إلا أن الأخيرة، وتحديدا في دول أوروبا الغربية، قد مرت بتحولات فكرية وثقافية مهمة تخلت فيها الحركة عن الكثير من أطروحاتها الطوباوية وقدر مهم من جمودها الأيديولوجي حتى باتت الكثير من أحزابها في أطروحاتها الفكرية والثقافية متماهية في ذلك مع الكثير مما تطرحه الحركة الليبرالية الأوروبية العريضة. وكنت أعتقد أن قدرا من هذا التغير قد أصاب الحركة الاسلاموية التركية، إلا أن مواقفها الأخيرة من أحداث ميدان تقسيم واللغة التي وظفها قادة الحزب في وصف المختلفين معهم يكشف لنا أن سنوات الدولة العلمانية في تركيا التي قاربت القرن من الزمان لم تنزل بعد في عمق التكوين “الممارساتي” للحزب التركي الحاكم رغم قبوله بعلمانية الدولة التركية.
وإذا ما بدت الجماعة الإخوانية المغاربية ذات قابلية أكبر للتكيف والتغير مع متطلبات المرحلة التي تعيشها، أثبتت ممارسات جماعة الإخوان في المشرق العربي، أنها ذات قابلية أقل للتغيير والتكيف. بل إنها بدت ككل الحركات الشمولية ذات نزوع أكبر للاستحواذ على السلطة وإقصاء المختلف وانعدام القدرة ولربما الرغبة في الخروج عن الأطر التنظيمية للجماعة ونصها الفكري.
وفي زمن الثورات العربية، فإن الكثير من التنظيمات الإسلاموية التي تصدرت الحراك أو تلك التي لحقت به قد رفعت شعار إقامة الدولة المدنية، إلا أن قولها هذا لا يبدو واضحا ودقيقا، إذ إن قولها بالدولة المدنية يصدم مع تأكيدها بأنها دولة مدنية يتم إنجازها ضمن مرجعيات إسلامية !!...فمدنية الدولة لا تعني لا دينية القائمين على إدارتها، بل إنها تعني أولا: التساوي في الحقوق المدنية والسياسية لكل المواطنين باختلافاتهم الدينية والمذهبية والعرقية في النص والممارسة وثانيا تنبع أهمية التحول المدني للدولة من كونها عملية تقود إلى تحول آخر فيها، وهو أن الدولة بممارساتها القائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون والفصل بين السلطات تعبد الطريق دائما؛ لأن تتبنى الدولة المخارج العقلانية لمشكلاتها.
بمعنى آخر أن رفض بعض الجماعات الإسلاموية لمبدأ الدولة المدنية أو قبولها باستحياء ضمن ضوابط تخترعها أو تنشد من خلالها سطوتها، إنما يعكس في واقع الأمر هذا التوظيف الكبير في بنائها التنظيمي والأيديولوجي للدين؛ لتحقيق مكاسب سياسية مهمة. بل إن هذا يعكس محاولة التماه بين الجماعة التنظيمية والدين. من هنا يصبح أي نقد لهم هو نقد للدين، وأي إطاحة بحكمهم هو إطاحة بحكم الدين في الدولة؛ ولذلك لأنهم يرون أن أي دعوة سياسية لهم هي دعوة للدين. فعندما خاطب مرشد جماعة الإخوان محمد بديع لأول مرة في ميدان رابعة العدوية جاء خطابه موظفا للتعابير الدينية في صراع سياسي على السلطة قائلا “الله أكبر على كل من طغى وتكبر وخائن ومفرط في حق دينه”، أو “اللهم إنك تشهد أن الجموع خرجت لنصرة دينك، ولتحرير مصر من محاولات سرقة ثورتها”.
ويجب القول إن جماعة الإخوان قد دخلت لمؤسسة الحكم في مصر وهي تحمل نحوها قدر من الشك والخوف من نزوعها نحو الاستحواذ على السلطة وإقصاء الآخرين. وهي في هذا لم تعمل ولربما لم تنجح في كسب ثقة القوى السياسية المعارضة الأخرى، بل إن ممارساتها  في السلطة من حيث تردد وقلة خبرة رئاسة الدولة وانحيازه الكامل في مشاوراته وتعييناته على أفراد الجماعة والدوائر القريبة منها، قد عمقت من حالة انعدام الثقة فيها، إن لم نقل أن هذه الممارسات قد نظر إليها من قبل الأقباط المصريين وأصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى انحيازا عصبويا أخذ بعدا طائفيا للدولة بوجود الإخوان في السلطة.
وقد دخلت الجماعة للدولة، وهي تحمل نحوها عداءً تاريخيًا من قبل المؤسسة العسكرية والأمنية. وأعتقد أن سنة حكم مرسي لمصر كان زواجا قسريا لم تستطع المؤسسة العسكرية والأمنية الاستمرار فيه، فأنقذته منه احتجاجات 30 يونيو وما قبلها المطالبة بإنهاء ما أسموه “بحكم المرشد”.
وأعتقد أن أخطاء السنتين الماضيتين في مصر لا يتحملها جماعة الإخوان فحسب، بل إن جزءا مما قد يقال عن شمولية وانغلاق ودغماتية جماعة الأخوان هي مشاكل تعانيها كذلك بعضا من القوى المحتشدة في ميدان التحرير. إن طبيعة البناء التنظيمي والفكري للجماعة قد يجعل منها جماعة قادرة على قيادة حزب سياسي، إلا أنه أثبت أنها بافتقارها للبرنامج الجامع غير قادرة على قيادة دولة ومجتمع يحمل قدرا من التنوع والتعددية السياسية والثقافية والدينية لا يقبل فيها التنميط والقولبة. وبالمقابل، فإن الدعوات التي ازدادت وتيرتها في مصر حاليا والداعية لحل الجماعة أو إقصائها لن يحل مشاكل مصر، فهي مشاكل في بعضها كانت هناك قبل أن يأتوا إلى السلطة وستستمر من دونهم في غياب رؤى إستراتيجية لإعادة بناء مؤسسة الدولة ودورها في المجتمع. إن فعل الإقصاء والحل يعطي المبرر لقوى متشددة داخل الجماعة بالنزوع إلى العنف والفوضى، كما أنه حل قد جرب في السابق من قبل الدولة المصرية ولم يفض إلى حل، فكيف له أن يحل معضلا قائما الآن. إن الحلول السياسية تبقى مع ذلك أسلم رغم حاجة بعضها لفسح زمنية قد تطول.
إن مصر كمجتمع ودولة وقوى سياسية واجتماعية، وبعد سنتين ونيف من حالة اللا استقرار والفوضى، وهي حالة طبيعية تمر فيها كل الثورات في العالم، مطالبة بالانتقال من السياسات والمواقف التي تبني من الشارع إلى سياسات ومواقف تبنى وتأسس من داخل مؤسسات الدولة، وهي حالة تحتاج مصر فيها فسحة زمنية وأخرى عقلية حتى تصل إليها: تراجع خلالها، ليس جماعة الإخوان فقط، كل أخطائها في المرحلة السابقة وإنما هي كذلك كل القوى السياسية المعارضة. فدون حوار وطني جدي يفضي إلى شراكة سياسية حقيقية تتمثل فيه كل القوى السياسية والاجتماعية والدينية المصرية، فإن فوضى الشارع التي تفضي إلى فوضى في الدولة والمجتمع ستستمر، وهي حالة لن تفيد فيها كل الإعانات والمعونات المالية الخارجية.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية