هذا هو اللقاء الثاني لي مع قراء جريدة “البلاد” في البحرين العزيزة خلال عام كامل، لكن الثالث لن يكون بعيدا، فسوف يأتي المقال الذي يليه كل أسبوع، إن شاء الله، ابتداء من هذا اليوم. اكتسبت من الصحافة الكويتية ـ وبعض العربية والخليجية لأكثر من 32 عامًا، لكن الكتابة لجريدة بحرينية بالنسبة إلى كاتب كويتي مثل الانتقال من الصالة إلى غرفة الجلوس داخل البيت! ترتبط مملكتكم الجميلة في ذهني بالأمن والأمان والصدر الحنون الذي استندت عليه خلال الغزو العراقي للكويت عام 1990، إذ دخلتها “لاجئا” يبحث عمن يواسيه و”يطبطب” عليه، وكانت الإقامة لأكثر من اسبوعين في فندق “الدبلومات” وأنا في عيشة راضية لا ينكد سعادتي إلا الإعلام الأميركي “الحاقد” وهو يصفني ـ وبقية الكويتيين ـ بلاجئي “الخمس نجوم”! عبرت جسر “الملك فهد” في ساعة متأخرة من ليلة 8/8/1990 ـ بعد ستة أيام على دخول الشقيق العربي المسلم الأخ الأكبر صدام بن حسين التكريتي “لبلده الثاني” الكويت في ساعات الفجر الأولى من يوم 2/8/1990 معيدا الى الاذهان تاريخ وأمجاد قبائل العرب قبل عام الفيل وميلاد المصطفى عليه الصلاة والسلام حين كانت تغير على مضارب بعضها بعضًا طمعًا في السبايا والغنائم والكلأ والماء والغنم والإبل! على الأقل كان أجدادنا من “قحطان وعدنان” يأخذون ما يريدون ثم.... يغادرون، ولم نقرأ في التاريخ أن قبيلة غازية قالت إنها “الأصل”، والمغزوة هي “الفرع” وقررت ضمها إليها.. إلى يوم يبعثون!
كان معي ـ لحظة الدخول الى مملكتكم الصغيرة ليلاً المخرج السينمائي الكويتي المبدع ـ خالد الصديق، فتوجهنا بسيارة جيب متهالكة أكمل على بؤسها طول الطريق الصحراوي وبعيدا من قوات الحرس الجمهوري العراقي المتمركز على الطريق السريع ـ من وسط العاصمة الكويتية إلى وسط العاصمة البحرينية! وصلنا مبنى السفارة الكويتية والساعة تقترب من منتصف الليل فوجدناها مغلقة، وقيل لنا إن “ربعنا” لم يستوعبوا كارثة الغزو ـ حتى الآن ـ ومازال دوامهم كالمعتاد من الثامنة صباحًا حتى الثالثة عصرا!
التفتُّ إلى رفيق الدرب “خالد الصديق” قائلا: “وين الطريق؟ وين نولي؟ كان خالد أغنى مني بسبعة دنانير، إذ إن بحوزتي عشرة دنانير كويتية سقطت ولم تعد تساوي “عشرة توامين إيرانية” بينما رفيقي معه سبعة عشر دينارا كويتيا “سابقا” بعد أن صار عراقيا! “الدينار وليس رفيقي”! قبل أن نتحرك من أمام بوابة السفارة الكويتية جاءنا راكضًا من اعتقدنا انه موظف فيها، وهو ما كان، وطلب منا أن نتبعه في سيارته الى... وسط العاصمة حيث دخلنا الى نادي شبابي للرياضة “نسيت اسمه”، وفي صالة ملعب لكرة الطائرة وجدنا عشرات “الفرشات الإسفنجية” قد غطت الأرضية “الباركيه” فألقى كل منا بجسده المنهك عليها وكأننا جذوع أشجار قطعت... للتو!
صحيح أن “النومة” كانت نجمة واحدة، لكن الإفطار كان ثلاث نجوم “جبن وحليب وبيض وشاي”... ابتلعنا بها غصة غدر الجار العراقي الشقيق الذي سندنا ظهره طيلة 8 سنوات في حربه مع... جارته! كانت “الغصة” مرة، لكن إفطار اهل البحرين الكرام ـ في ذلك الصباح وأول يوم لجوء ـ أكثر سكرية من حلاوة “شويطر”!! وها أنا الآن بعد ان دخلت بلدكم لاجئا قبل 24 سنة أعود اليها... كاتبًا.