عدت الي صحيفتي مرة أخري وبدأت أكتب حينا وكان جزءا من مقالاتي يحجب بفعل مدير التحرير لا لسبب ظاهر أو ضعف في التناول ولكن يقيني أنه كان متعمدا والأحداث في السودان تتلاحق وما يكتب اليوم عن قضية يكون غير قابل للقراءة بفعل حدوث حادث غلب في تناوله علي القديم وهكذا كنت أعاني في ذلك يملؤني غيظ وحنق من مدير التحرير الذي في ظني كان عنيفا معي لا يتشاور ولا يتحاور بل يثور في وجهي وصرت أكتب في الأحداث الثابتة التي لا تتأثر بعارض ولا يصرفها حدث عن قراءة الناس لها ولما أعيتني الحيلة خصوصا وأن الحدث الطاغي على البلاد يحفز علي الكتابة والغوص فيه اتجهت الى صحيفة ثالثة من جديد فبدأت أراسلهم وبدأوا ينشرون لي والحق أعجبت بها جدا نظرا لأنها في ثباتها أفضل من صحيفتنا وفي موقعها الألكتروني كانت أفضل فقد كانت تصدر الكترونيا وكانت وسيلة للتواصل مع من بخارج السودان ومن بداخله من القراء وبدأت تنشر مقالتي بل صار يوم الجمعة من كل أسبوع يوما ثابتا لي في التواصل مع القراء وبدأت أدبج مقالتي بحيث لا تتأثر بانقضاء الأحداث وعندما أحس مدير تحرير صحيفتنا بذلك أوقف مقالاتي من أن تنشر بالصحيفة ذهبت إليه ذات مرة فخيرني بغضب بين الاستمرار معه أو الانتقال لتلك الصحيفة قلت له ليست لدي معك صيغة التزام تجبرك علي احتكاري ولا أتقاضى منك مليما واحدا يجبرني علي أن أتقيد بك ثم ثانيا إن المقال الذي يظهر بتلك الصحيفة يكون إرساله في الأول اليك ثم يرسل بعد ذلك إليها وغادرته علي عجل وهو في حالة غضب خفت من أن ينفجر غضبه في مالا جدوى منه ولا آمن نفسي من عقباه.
وفي تلك الصحيفة كنت أراقب نفسي في كل جمعة وأرى توسعا في القراء حمدت الله علي ذلك وبدأت أتواصل مع القراء والتواصل يدفعني الى التجويد في الأداء فقررت أن أزور تلك الصحيفة علي أظفر بفرصة تكون بمثابة تطور لي في الارتقاء بموهبتي الى منابر أخري وأملا في أن أجد بيئة تجعلني أتعايش فيها وأتصالح مع الجميع لغرض واحد هو الارتقاء بالصحافة يحدوني في ذلك استشارتي لمجموعة من زملائي في التخيير بين الصحيفتين فوجدت أن الصحيفة الجديدة تتميز في كل شيء وعزمت بعدها علي المسير.
كان مقرها واضحا دلفت الى الاستقبال سألت عن رئيس التحرير فوجدت أنه في زيارة خارج البلاد وعن مدير التحرير فوجدت أن مرافقا لمساعد الرئيس في رحلة داخل البلاد من يا ترى موجودا فأفتوني بوجود مستشار التحرير ما اسمه؟
اخبروني به دخلت عليه عرفته بنفسي فنهض محييا مثنيا علي وعلى مقالاتي بدأ لي من شكله أنه من تحالف اليسار القديم هكذا تبدو سيماه كان مكتبه صغيرا تتوسطه كنبة بالية من كراسي الجلوس جلست عليها فغاصت بي إلى الأسفل واستخدمت أيدي الكنبة المتهالكة للنهوض وتثبيت نفسي ما يجعلني في وضع المتكلم معه ألح علي في أن أشرب شيئا فطلبت باردا فنادي علي الصبي ولكن الصبي بعد مدة جاءه معتذرا عن وجود البارد فطلبت ساخنا ثم ابتدأ الحديث بيننا فقال لي تخيلتك شخصا كبيرا ولكني لم أكن أتوقعك في مثل هذا السن، ثم طفق يثني علي أسلوبي وأنني أملك ناصية التمكن حول الموضوع والإحاطة به تماما.
شكرته على الإطراء وعلي نصائحه الغالية وأنا أحاول جاهدا أن أتوازن في جلستي ولكن كنبة الجلوس المهترئة تغوص بي عميقا وأحاول جاهدا أن أبدو مستريحا مسترخيا وأخيرا ناقشته في موضوع العائد المادي وأنني قد استعضت عن مهنتي الهندسية بموهبتي الكتابية لذا أريد عائدا يكفيني شر السؤال ويجعلني منشغلا بها عن غيرها تطويرا وتجويدا تفرس في وجهي مليا ثم ما لبث إن قال لي تريد إذا فلوسا ثم صار يعدد لي في مشاكل الصحافة التي تعتمد علي الإعلانات ما يجعلها تارة مهددة بالإغلاق وتارة برواتب الموظفين ويسهب بي نزولا وصعودا وأنا أتململ من جلوسي الثقيل ثم ما لبث أن جاءت خاتمة حديثه تماما كما قال لي رئيس تحرير صحيفتنا بأنهم يعطون للكاتب المشهور الذي يمتلك الشعبية ويقرأ له كثير من الناس ودون ذلك تفتح لهم الصحيفة منبرها للمساهمة بالرأي وتطوير موهبتهم، لكنه استدرك وقال لي بإمكانك مقابلة رئيس التحرير فربما تجد عنده ردا مقنعا يعجبك ويجعلك علي بصيرة من أمرك.
ودعته وهو يشد علي يدي بأن أواصل في الكتابة وأن آتي في يوم آخر لملاقاة رئيس التحرير نسبة لسفره خارج البلاد.