ما إن يدخل المتلونون إلى البيت التشكيلي، حتى تساورهم شكوكهم الأسيرة بتحديد مسارهم في معقل الفن، هل سيصنعون شهرة ما، هل ستمتلئ أرصدتهم بنتائج منتجهم التشكيلي، هل ستطرق أبوابهم بقبول مشاركتهم الفنية في المعارض الضحلة، أم سيغلق حراكهم على مستوى معين، ما الانتكاسة التي من الممكن أن تحدث عندما يصطدمون بأمزجة لا تقبل فواتير عقائده ورغباته في الحبو نحو الدرج الأول من مسيرته، ما الأسوأ الذي ينتظره التشكيلي، حيرة-فشل، أم تبعية متزمتة، خاضعة على ذوق استفاقة حميمة وطلاق مؤقت في المشهد الفني، حسناً، الآخرون لا يستطيعون استبعاد المتلونين، إلا إن شاءوا هم هذا التهميش أو اضطروا إلى الانعزال والانخراط بأزمة نفسية تسلتزم مرض الرهبة من الوسط الفني غير المقبول، إذًا، المتلونون يهبون أرواحهم إلى الفن من أجل أصحاب الجيوب والقامات الرفيعة، لا يستدلون من طرائق ترسم خريطتهم الآلية، بل متضعضعون في قائمة تشتهي وضع علامة صح، أو تمتعض منهم بشطبهم تلقائياً، فهل يستسلم المتلونون لجاهلية فكرهم ومنح مصيرهم المجهول إلى أولئك، إن كانوا بين البينين معلقين، فهم مازلوا جهلاء فن!
يفصح لنا مجنون العظمة الفيلسوف نيتشه “يرفع الفن رأسه عندما تتراخى العقائد”. أما المتلونون يطأطئون رؤوسهم؛ لأنهم لا يفقهون ما يريدون، لقد اعتادوا على مجاراة الآخرين والسير خلفهم، اعتادوا على إملاءات منضبطة منهم ولا ينصتون إلى قرار ذاتهم، يلهثون وراء إغواء المال وبيع قوانين إنسانية؛ من أجل الاتكاء على حاجات وصناعات تنتهي بريقها في حال سطوع نجوم أخرى، فإما أن يكونوا أو يتقهقروا إلى زمن ليس لهم، مقارعة التشكيل ليس بالشيء السهل، وليس هو فسحة ترفيهية، بل حكاية أنسنة تستبيح التوريط والمحاربة من أجل رسالة وقضية محرمة، فالفن ليس بشماعة، وليتمتع المتلونون ببعض الفضائل التي تحتمل المسلمات المطلقة.