العدد 2106
الإثنين 21 يوليو 2014
الروح الشريرة في غزة
ستة على ستة
الإثنين 21 يوليو 2014

كان الإحساس بالغير والمشاركة الوجدانية من بين الخصال الحميدة المنتشرة بيننا والتي كانت تمنع على سبيل المثال إقامة حفلات الأفراح إن كانت هناك حالة حزن بنفس المنطقة وذلك مراعاة لشعور الجار ومشاركته في أحزانه حتى لو كان هناك خصام أو شجار سابق، فالمروءة والشهامة تدفع إلى نسيان هذه الخلافات في مثل هذه المصائب، بل ربما تكون سببًا في عودة العلاقات الودية مرة أخرى حيث تلين القلوب وتذوب الخلافات في هذه الأجواء التلاحمية الجديدة التي خلقتها الأزمة أو الموقف الحزين.
والآن حلت قيم ومفاهيم جديدة تعلوها الشماتة والانتهازية وتمر بمجموعة من السلوكيات البذيئة والمنحرفة التي تغلف شخصيات مريضة حتى إن بدت وكأنها نخبة تتصدر المشهد السياسي والإعلامي والثقافي وهي في حقيقة الأمر نموذج في التردي الأخلاقي والانحدار الإنساني.
ما يحدث في غزة الآن من قتل ودمار لم يكن محركًا لتلك القيم النبيلة التي طالما عشناها وألفناها، بل للأسف الشديد كان كاشفًا عن مستوى غير مسبوق من التدني في القيم والأخلاق وعاكسًا لتجرد غير معهود من الإحساس والإنسانية.
ما نشاهده في غزة الآن من هجمات وحشية وضربات صاروحية مميتة كان كافيًا عن كل التحليلات السياسية والعسكرية، ودافعًا للتحرك والانتفاضة العربية باتجاه نصرة هؤلاء الأطفال والشيوخ والنساء الذين يتساقطون بالعشرات في كل يوم وكأنهم لا ينتمون لبني البشر.
غزة أخرجت لنا صنوفا من البشر لم نتخيل يومًا أنها تحيا بيننا وتنتمي لديننا بعد أن اتضح أنها مثل الحيوانات المفترسة بل أضل وأقسى من هذه الحيوانات بعد أن أيدت ما يحدث من جرائم إسرائيلية وحشية بحق أطفال غزة وقراها وبيوتها.
قلوب أشد قسوة من الحجارة، لم تهتز لصور الضحايا الأبرياء وجثث الأطفال ومناظر القتل الوحشي ومشاهد العنف الدموي، ولم تر من كل ذلك سوى خلافات واهية وصراعات مصنوعة ومقصودة مع هذا الفصيل أو ذاك.
لا مكان للتحليلات والاجتهادات، بل لا مجال لتذكر الخلافات، فحالات القتل وصور التدمير وأشلاء الأطفال وبكاء النساء وهلع الشيوخ هي الساكتة والمخرسة لجميع هؤلاء المرضى أو ربما الأموات رغم أنهم مازالوا أحياء، فكما أن الشهداء هم أحياء عند الله تعالى، فإن هؤلاء الخارجين عن نواميس الإنسانية والأخلاقية هم أموات بيننا.
وفي الوقت الذي لا يجد البعض منا حرجًا في الشماتة والتنفيس عما بداخله من سوءات وقذارات، تجهر أصوات إسرائيلية وغربية برفضها لما يحدث من قتل وتنكيل بالفلسطينيين لأنه فاق أية حدود متخيلة وتخطى كل التوقعات باستثناء توقعات وتخيلات مرضانا.
ولم أجد ردًا على هؤلاء المرضى سوى استعراض بعض هذه الأصوات لعلها توقظ ضمير نائم أو تحيي قلب ميت أو تهدي إنسانا ضالا.
فهذا رئيس الكنيست الأسبق أفراهام بورغ يؤكد أن إسرائيل تخطف الفلسطينيين منذ 47 عاما، وأن سياسات إسرائيل تعتمد على الكذب، ويتهم من سماهم “الحاخامات المنافقين” الساكتين على العنصرية والظلم، وأشار إلى قيام الإسرائيليين بمداهمات ليلية لانتزاع الأب والأخ من أحضان العائلة.
أما رئيس كتلة السلام آدم كيلر فيؤكد هو الآخر في تصريحات صحافية أن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة، وأنها تمارس عمليات ترهيب للفلسطينيين وترتكب جرائم ضدهم من أجل تمزيق وعيهم، مشيرًا إلى ان إسرائيل قتلت نحو 1500 امرأة وطفل في غزة خلال عدوان “الرصاص المصبوب”. كما يذكّر بمجازر قانا الأولى والثانية ومخيم جنين وغيرها.
وتؤكد رئيسة حزب ميرتس المعارض زهافا غالؤون أن هناك روحا شريرة هي السائدة اليوم في الشارع الإسرائيلي وهي التي أدت لإقدام السفاح باروخ غولديشتاين على ارتكاب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل.
وتحذر الناشطة الإسرائيلية “نوعمي بين تسور” من أن العقاب الجماعي على غزة وقصفها لن يوقف الصواريخ ولا يؤمن الهدوء لجنوب البلاد.
وفي الوقت الذي ننكر فيه على الفلسطينيين أن يكونوا مقاومين للاحتلال رافضين لسياساته وخروقاتها، يؤكد الكاتب “سوماس ميلن” في صحيفة الجادريان البريطانية على حق كل الشعوب المحتلة في المقاومة وأنه ليس من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها من أراض هي تحتلها بشكل غير قانوني، واصفًا غزة المكلومة بأنها أكبر سجن مفتوح في العالم.
وبينما يطالب البعض بسحق هذا “الوباء” المسمى حماس باعتباره المسؤول عما يحدث في غزة لأنه رفض أن يكون ذليلاً لكيان صهيوني غاصب، تطالب الصحيفة ذاتها بإنقاذ غزة من محنتها ليس عن طريق التخلص من هذا الفصيل “المقاوم”، بل من خلال تخليصه من العزلة التي فرضت عليه إقليميًا.
لم أجد ختامًا لهذا المقال أفضل أو بمعنى أدق أقسى من هذا المشهد المؤلم الذي رسمته صحيفة الجارديان البريطانية عن مقتل أربعة إخوة من الأطفال قتلوا على شاطئ غزة وهم يلعبون لعبة “الغميضة” حيث أصابت القنبلة الأولى الحاجز البحري للشاطئ بينما كان الأطفال يركضون باتجاهه في محاولة لعبوره طلبا للأمان في فندق الديرة القريب الذي يتخذه كثير من الصحافيين قاعدة لهم لتغطية الصراع في غزة. وأثناء تلويح الأطفال للصحافيين الذين كانوا يراقبونهم عن كثب جاءت القذيفة الثانية وأصابت الأطفال في مقتل وسط صراخ الصحافيين الذين هرعوا إلى الشرفة لمشاهدة المنظر المأساوي قائلين “إنهم مجرد أطفال”.
وإذا كنتم تتهمون حماس بأنها تتاجر بدماء الأطفال، فأنتم بسكوتكم ومواقفكم المخزية لا تتاجرون فقط بهذه الدماء بل تشاركون في إراقتها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية