لعل الحديث عن موضوع العبودية وفي دولة مسلمة مثل موريتانيا هو حديث مخجل ومثير للحزن والأسى على انتشار مثل هذه الظاهرة المؤسفة في هذا البلد المسلم دون أن تتداعى له سائر البلاد الإسلامية وخصوصا القادرة لتخليصه من هذه الآفة اللعينة.
فقد جاءت موريتانيا في مقدمة دول العالم في مؤشر العبودية، بمعدل 150 ألف شخص مهددين بالاستعباد من أصل 3.8 ملايين هم إجمالي السكان وفقًا لتقرير “مؤشر العبودية العالمية” الصادر عن منظمة “ووك فري” في لندن في شهر أكتوبر الماضي 2013م. وتشير الإحصاءات أيضًا إلى أن ما بين 10 % إلى 20 % من سكان موريتانيا يعيشون في حياة العبودية.
تعود هذه الظاهرة المفجعة إلى سنوات استقلال البلاد الأولى بداية ستينات القرن الماضي، حينما كانت العبودية تنتشر بشكل علني بين فئات المجتمع الموريتاني كافة، سواء تعلق الأمر بالغالبية العربية أو الأقلية الزنجية، حيث ظلت الأسر الموريتانية من مختلف المحافظات تملك جواري وخدماً يقومون بخدمتها، ويجري توارثهم من أفراد الأسرة كما يتوارث العقار والمال، كذلك كانت تجارة الرقيق مهنة عادية كبيع الجمال.
والواضح من استعراض جهود الدولة الموريتانية أنها حاولت قدر استطاعتها محاربة ظاهرة العبودية، وتحديدًا منذ عام 1982 حيث كان أول إلغاء حقيقي للعبودية إبان حكم الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيدالة الذي أصدر قانوناً بمباركة من رجال الدين يقضي بتحرير العبيد ومنع الأسياد من ممارسة العبودية عليهم.
وتوالت بعد ذلك قوانين محاربة العبودية، حيث أصدر الرئيس الأسبق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في تسعينات القرن الماضي قانوناً يعرف باسم “قانون حظر استغلال الأشخاص”، الذي حظر ممارسة العبودية حتى ولو كانت طوعية وقبل بها العبد، وفرض عقوبات على مرتكبيها.
ثم كان القانون الأهم الذي يجرم ممارسة ظاهرة العبودية وصدر في عام 2007 إبان حكم الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، والذي تمت المصادقة عليه بعد أشهر قليلة من انتخاب أول سياسي من شريحة العبيد السابقين رئيساً للبرلمان، وهو السيد مسعود ولد بلخير الذي يعتبر أحد أبرز مناهضي العبودية، ويطلق عليه أنصاره “محرر العبيد”، وبموجب هذا القانون الذي مازال ساري المفعول، يواجه المدانون بممارسة الاستعباد عقوبات قد تصل إلى السجن عشر سنوات.
ومؤخرا، استحدثت السلطات وكالة لمحاربة الاستعباد، وهي جهاز حكومي “وزارة دولة” من أجل اجتثاث بقايا الظاهرة وتنفيذ برامج إنمائية لمصلحة الأرقاء السابقين، ثم تم إنشاء محكمة خاصة لتنظر في جرائم العبودية.
ورغم هذه الجهود، فإن الظاهرة مازالت موجودة ومنتشرة لأن “الأسياد” الذين يحتكرون السلطات المختلفة في البلاد لا يجدون صعوبة في التحايل على القانون من خلال صور عدة منها التظاهر باستئجار العبيد كخدم تدفع لهم رواتب شهرية، أو استعباد القصر منهم تحت شعار مساعدتهم في تلقي التعليم.
أما عن أسباب انتشار ظاهرة الرق في موريتانيا، فقد رصدها تقرير صادر عن منظمة “نجدة العبيد” مؤخراً، حيث أكد أن الطابع الطبقي والعرقي للمجتمع الموريتاني شكل أرضية خصبة لوجود العبودية، خصوصاً أن هذا التوزيع الطبقي للمجتمع أخذ بعداً وظيفياً لكل طبقة، وهو ما أدى في النهاية إلى وضع العبيد في أدنى درجات السلم الاجتماعي.
ويرجع التقرير أصول العبودية في موريتانيا إلى الحروب التي كانت تدور بين القبائل والمجموعات العرقية خلال القرون الماضية، حيث كانت الغارات والهجمات المتبادلة بين القبائل فرصة لسبي الأفراد واتخاذهم عبيدا، كما شكلت التجارة عبر الصحراء بين شمال إفريقيا وغربها ووسطها رافداً مهماً من روافد انتشار العبودية، حيث كانت البضائع القادمة مع قوافل الشمال من ملح وصمغ وقماش، تتم مقايضتها بالعبيد في بلدان غرب ووسط إفريقيا.
وكشفت المنظمة عن أغلب ضحايا العبودية من النساء، بحيث تعتبر المرأة المسترقة (الأمة) وسيلة لاستدامة سلالة العبيد لدى أسر الأسياد، إذ إن أبناءها يولدون عبيداً حتى ولو كان أبوهم حراً.
وتبقى هناك مسؤولية كبيرة على عاتق الدول العربية والإسلامية نتيجة الإهمال الشديد لهذه الجمهورية الإسلامية وتركها تواجه تحدياتها الكثيرة بإمكاناتها القليلة لتكون لقمة سائغة لعدو إسرائيلي متربص ثم نكتفي بعد ذلك بالتنديد بالتطبيع بين موريتانيا وإسرائيل دون أن نسأل أنفسنا عن السبب الذي دفع موريتانيا لذلك.
إن انتشار العبودية في موريتانيا ينبغي أن يشعر جميع الدول العربية والإسلامية بالخجل نتيجة تقصيرهم الواضح من جميع النواحي وخصوصا المالية والدينية تجاه هذا البلد المسلم. ولذا، فإننا ندعو الدول القادرة والجمعيات الإسلامية الراغبة لتقديم المساعدات المالية ونشر الآراء الدينية السليمة لإنقاذ موريتانيا من ظاهرة يجب ألا يكون لها وجود في هذا البلد المسلم.