توصلت الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر الماضي إلى اتفاق مرحلي مع إيران حول برنامجها النووي ينص على عدم اتخاذ عقوبات جديدة ضد إيران خلال فترة مرحلية من ستة أشهر وافقت خلالها طهران على عدم تطوير برنامجها النووي ريثما يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي السادس والعشرين من شهر ديسمبر الجاري تم استئناف المفاوضات بين خبراء إيران وبلدان مجموعة 5+1 في جنيف للاتفاق على خطة عمل من أجل تطبيق الاتفاق المبرم في جنيف، إلا أنه قد تم تأجيل هذه المفاوضات بسبب أعياد الميلاد، وهو ما قد يشير إلى وجود خلافات بين الجانبين حول تطبيق هذا الاتفاق كما ألمح لذلك وزير الخارجية الإيراني الذي أكد في مؤتمر صحافي مشترك مع وزيرة الخارجية الإيطالية (في 26 ديسمبر)، أن هذه المفاوضات ليست سهلة وتتقدم ببطء. آملا في أن يحرص كل الأطراف على ألا يطرحوا مواضيع من شأنها التسبب في مشاكل وجعل العمل صعبا”.
ومهما يكن من أمر، فإن ما هو قادم للمنطقة سوف يختلف كثيرًا عن المرحلة التي سبقت التوصل لاتفاق جنيف الذي لن يقتصر تأثيره على إيران فقط وإنما سيشمل مجمل قضايا المنطقة وسيضعها في مرحلة جديدة من الشد والجذب.
الاتفاق وضع ضغوطًا إضافية على دول مجلس التعاون الخليجي وتسبب في بعض التباينات بين دولها والتي انعكست خلال قمة الكويت الأخيرة التي انعقدت في ديسمبر الجاري وحالت دون التقدم خطوة جديدة باتجاه الانتقال من مجلس التعاون الخليجي إلى الاتحاد الخليجي.
أما بالنسبة لإيران، فهناك من يرى في اتفاق جنيف انتصارا لها وتقوية لدورها في المنطقة، فهو من ناحية بمثابة إقرار دولي بصفة عامة واعتراف أميركي تحديدًا بدور طهران الإقليمي ومصالحها في المنطقة، وهو الأمر الذي لن يكون إلا على حساب دور حلفاء واشنطن التقليديين في المنطقة وخصوصا دول الخليج في ظل طبيعة العلاقات بين هذه الدول وبين إيران والتي تجعل مكاسب أي طرف بمثابة خسارة للطرف الآخر.
كما أن الاتفاق من ناحية أخرى من شأنه أن يريح الاقتصاد الإيراني ويزيح همًا ثقيلاً يتمثل في العقوبات الدولية المفروضة على طهران والتي كانت قد بدأت تؤتي ثمارها وتتسبب في احتجاجات شعبية وتثير القلاقل للحكومة الإيرانية وأدت لانخفاضات قياسية للعملة الإيرانية.
بينما هناك وجهة نظر أخرى، ترى في اتفاق جنيف هزيمة لإيران ورضوخا منها للضغوط الغربية بفعل وطأة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها والتي دفعتها للقبول بشروط لم تكن لتقبل بها من قبل وخصوصا ما يتعلق منها بتخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 5 % وسماحها بتفتيش منشآتها ومواقعها النووية، وهو ما يعتبر بمثابة تخلي عن حلم البرنامج النووي على الأقل خلال فترة الاتفاق.
ويضيف هؤلاء بأن الاتفاق لم يلغ العقوبات الأساسية على النفط والمصرف المركزي الإيراني، وكل ما حدث هو استرداد إيران لنحو 7 مليارات دولار من أموالها المحتجزة في أميركا وعدد من الدول الغربية والآسيوية، وتخفيف القيود على تصدير النفط الإيراني، إلا أن هيكل العقوبات المتعلقة بالاستثمارات الخارجية في حقلي إنتاج النفط والغاز والنشاطات المالية الإيرانية عبر العالم مازال على حاله؛ لأنها ترتبط بقضايا الإرهاب وانتهاك حقوق الإنسان من قبل نظام طهران.
ويشير هؤلاء أيضًا إلى أنه رغم مرور أكثر من شهر من توقيع الاتفاق، فلم يحدث أي تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي الإيراني، بل وصل التضخم إلى 42 %، وهو الأعلى في المنطقة، والنمو الاقتصادي لا يزال دون الصفر.
وبرأيي، فإن اتفاق جنيف يمثل بداية جديدة من العلاقات بين طهران من ناحية ودول العالم من ناحية أخرى، وهي مرحلة مؤقتة كما أنها مفتوحة على جميع الاحتمالات، فقد تكون مرحلة سلبية متوترة إذا ما ضخمت طهران من ذاتها وبالغت في تقدير دورها وأهميتها في المرحلة الراهنة كونها تلعب دورًا مهمًا في قضايا عدة، ما قد يدفعها إلى الاستمرار في سياستها التدخلية في دول الخليج ومواصلة إثارة التوترات الداخلية بها وعدم الرغبة في وضع تسوية للملفات العالقة مع هذه الدول.
وربما نفاجأ بمرحلة إيجابية وإن كان ذلك مستبعدًا، حيث إن ذلك مرهون بشروط صعبة منها ما يتعلق بإيران وأهمها الالتزام باتفاق جنيف، ومنها ما يرتبط بواشنطن وخصوصا مراعاة حسابات ومصالح جميع دول المنطقة، ومنها ما يتعلق بدول الخليج وتحديدًا اتباع سياسة موحدة وفاعلة وضاغطة تجاه كل من أميركا وإيران.