كانت إيران بمثابة الحاضر الغائب عن قمة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الرابعة والثلاثين المنعقدة في الكويت يومي العاشر والحادي عشر من شهر ديسمبر من العام الجاري، والتي اقتربت خطوة من إيران وابتعدت خطوات عن تحقيق الاتحاد الخليجي، حيث رحب البيان الختامي للقمة بالتعاون مع إيران، بينما طرح موضوع الاتحاد قيد الدراسة بعد أن رفضته سلطنة عمان رسميا وبشكل صريح.
ففي الوقت الذي تشكو فيه معظم الدول الخليجية من التدخلات الإيرانية السلبية في شؤونها الداخلية، جاءت قمة الكويت معاكسة لما كان يطمح فيه الكثيرون من اتخاذ موقف متشدد ضد طهران وخطوات أكثر قربًا نحو الاتحاد الخليجي.
ولكن التمعن في المعطيات الخليجية والإقليمية، يجعلنا نقول إن قمة الكويت كانت واقعية ومنطقية؛ لأسباب كثيرة أهمها أنه مازالت هناك الكثير من العقبات والتحديات التي تحول دون انتقال دول مجلس التعاون الخليجي إلى مرحلة الاتحاد الخليجي تحقيقًا للدعوة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين قبل أكثر من سنتين، حيث مازالت هناك خلافات وتباينات خليجية على خطوات تمهيدية ضرورية ومنها العملة الخليجية والمصرف المركزي الخليجي والاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة التي تم إقرارها في قمة الدوحة سنة 2008، فضلاً عن تباين المواقف تجاه إيران والذي يتضح بشدة باحتضان سلطنة عمان مفاوضات سرية بين إيران وأميركا دارت حول الملف النووي الإيراني، وساهمت في الوصول إلى الاتفاق الأخير بين إيران والدول الكبرى (5+1)، إضافة إلى الزيارة التي قام بها السلطان قابوس بن سعيد لإيران قبل شهور قليلة من انعقاد قمة الكويت وتحديدًا في أغسطس 2013 بمناسبة تنصيب الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني.
الموقف العماني ليس غريبًا، بل كان متوقعًا خصوصا أنه يتسق مع سياسة عمان المتحفظة “المحايدة” التي تحافظ على استقلاليتها وتبتعد عن الصراعات والخلافات، لذا فقد تنظر للاتحاد الخليجي على أنه موجه ضد إيران تحديدًا، وهو ما ترفضه سلطنة عمان خصوصا في ظل العلاقة الخاصة بين الدولتين كونهما يطلان معا على مضيق هرمز.
معنى ذلك أن إيران التي كانت سببًا مباشرًا للإعلان عن الرغبة في الانتقال للاتحاد الخليجي كانت أيضًا سببًا غير مباشر في تأجيل الاتحاد الخليجي، في ظل العلاقات التي تربطها مع سلطنة عمان، والتي دفعت الأخيرة للإعلان صراحة عن رفضها الانتقال للاتحاد الخليجي، وكذلك بالنظر إلى المعطيات الإقليمية الجديدة التي كانت إيران طرفًا فاعلاً فيها خصوصا بعد التوصل إلى اتفاق حول نووي طهران في جنيف في 24 نوفمبر 2013، ما أحدث قلقًا خليجيًا حاولت كل من واشنطن وطهران تهدئته من خلال زيارات مكوكية لمسؤولين أميركيين، وقيام وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بزيارات مختلفة قبيل انعقاد قمة الكويت لبعض دول الخليج زاعمًا أن الهدف من هذه الزيارات هو توثيق الروابط مع دول مجلس التعاون وبث الطمأنينة بشأن اتفاق جنيف حول الملف النووي الإيراني، بينما كان الهدف الحقيقي للجولة هو اختراق الصف الخليجي والحيلولة دون موقف خليجي موحد من قضايا الإقليم.
وجاءت تصريحات وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل قبيل قمة الكويت لتزيد القلق الخليجي وتؤكد التفاهم الأميركي الإيراني، حيث صرح قائلاً “الدبلوماسية مع إيران يجب أن تكون مدعومة بالقدرة العسكرية”، ما يعد تلميحًا لدول مجلس التعاون الخليجي بأنها غير قادرة على مواجهة عسكرية ضد طهران في ظل وضعها العسكري والتسليحي الراهن.
ورغم كل ما سبق، فإن الموقف الإيراني لن يكون هو المعيار الحاسم في الانتقال نحو الاتحاد الخليجي، حيث إن هذا الأمر هو بيد دول المجلس نفسها ومتى ما اقتنعت هذه الدول أن هذا التحول هو بالنهاية في صالحها جميعا وعملت بالفعل على ذلك سيتحقق لها ما تريد.