من المسلسلات التي سمحت الظروف بمتابعتها خلال شهر رمضان المبارك مسلسل “الشك” الذي يتناول ظاهرة خطيرة باتت تهدد حياتنا الاجتماعية والعائلية وهي ظاهرة “الطمع” التي جعلت الشخصية المحورية في المسلسل وكان اسمها “وسيلة” تدوس على جميع القيم والتقاليد في سبيل تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال والمكاسب حتى لو كان ذلك على حساب الأم والأب والإخوة ما جعلها تعيش بعيدة عنهم ومتخاصمة معهم.
قدم المسلسل صورة بشعة ومنفرة لتلك الشخصية “وسيلة” التي لا تكترث بقيم ولا تهتم سوى بالغنائم للدرجة التي تجعلها تكيد المكائد لإخوتها وجميع أقربائها وتدبر المصائب والمشكلات لهم بحيث لا يجدون ملجأ سواها لتخليصهم من تلك المشكلات، وهنا تبدأ المساومات والصفقات للحصول على ما تريد منهم مقابل تلك المساعدات.
بل وصل الأمر بـ “وسيلة” إلى الحد الذي تتفق فيه مع سيدة أخرى صاحبة محل ملابس لتصوير أختها في أوضاع غير لائقة ثم تهديدها بفضح أمرها إذا لم تقم بتسديد مبلغ مالي مرتفع تعجز عن سداده وذلك حتى تضطر إلى اللجوء إلى “وسيلة” التي تمتلك الأموال الباهظة وتسعى للمزيد والمزيد منها حتى لو كان ذلك على حساب المتاجرة بعرض أختها.
وفي صورة أخرى للاستغلال السيء للسلطة والمال، قامت “وسيلة” ومن وراء الستار بلعب دور المنقذ لأخيها الذي كان محطمًا بسبب عجزه عن استكمال مشروعه الطموح الذي كان سيحقق له الاستقرار المادي والوظيفي، وفي الوقت المناسب ظهرت “وسيلة” لهذا الأخ الذي فوجئ بأن أخته “وسيلة” هي التي أنقذت مشروعه ليكون أمام خيارين إما أن يواصل تعاونه مع أخته وبالتالي يستكمل مشروعه أو أن يصر على موقفه الرافض لأخته وتصرفاتها وانفلاتها من القيم والضوابط المعروفة وبالتالي ضياع حلم استكمال مشروعه.
لقد تحولت هذه الشخصية المحورية إلى “وسيلة” لحل جميع المشكلات التي قامت هي بتدبيرها وصنعها لإجبار أفراد عائلتها المتخاصمة معها واحدًا تلو الآخر للتقارب وتطبيع العلاقات معها والاعتراف بالأمر الواقع، كما حولت هذه الشخصية جميع المحيطين بها إلى “وسيلة” للوصول لمآربها وإشباع مطامعها ورغباتها.
تعمد المسلسل إظهار هذه الشخصية بتلك الصورة “المستفزة” كي يحدث الصدمة اللازمة عند المشاهد ليعرف قيمة وأهمية الدفء الأسري والجو العائلي الذي يخلو من الطمع والجشع والخيانة ويقوم على الحب الصافي والاحترام المتبادل والتضحية والعطاء دون انتظار اي مقابل.
ورغم أن المسلسل اجتماعي في المقام الأول إلا أنني أجده مفسرًا وكاشفًا لواقع مؤلم نعيشه سواء في مجتمعنا أو حتى على المستوى الدولي، فالقوي يريد أن يأكل الضعيف، والغني لا يعير اهتمامًا للفقير، وصاحب المال والسلطة يسعى بكل قوة إلى تضخيم المال وتعزيز السلطة حتى لو كان ذلك على حساب البسطاء وبأساليب غير مشروعة وأدوات غير مقبولة.
كما أن الدولة القادرة لا تهنأ ولا ترتاح إلا إذا وجدت الدول الأخرى في حاجة إليها وتحولها إلى أدوات وآليات لزيادة مكاسبها ومغانمها، ولا تجد تلك الدولة غضاضة في تصدير مشكلاتها لتلك الدول غير القادرة بل وخلق مشكلات متتالية حتى لا تجد وقتا للبناء والتعمير يجعلها تزاحم تلك الدول القادرة.
“وسيلة” في مسلسل الشك قد انتهى بها المطاف في مستشفى الأمراض العقلية بتدبير من زوجها الذي كان طامعًا هو الآخر في ثروتها وقام بخيانتها وخداعها ما سبب صدمة كبرى لها ومحنة عظيمة لم تجد من يقف بجوارها فيها سوى أفراد عائلتها الذين باعتهم من قبل ورغم ذلك بادروا من تلقاء أنفسهم بمساعدتها حتى خرجت من محنتها وعادت إلى أحضان عائلتها بعد أن استوعبت درسًا قاسيًا مفاده أن العائلة المترابطة المتماسكة المتحابة هي السند الحقيقي في هذه الحياة وهي “الوسيلة” الصحيحة للعيشة السعيدة والحياة الهانئة.
فهل يدرك صاحب المال والسلطة أن جميع أغراض الدنيا زائلة وأنها كما حيزت له فهي قد تنزع منه في اي وقت، وأن أفضل “وسيلة” للحفاظ عليها هي أن تجعلها “وسيلة” لكل ما هو جميل ومطلوب ومقبول وأداة لكسب احترام المجتمع وحب الناس.