رسم المصريون لوحة بشرية رائعة أثناء ثورة 25 يناير من العام 2011 م كان أهم أركانها التراحم والتسامح والتآلف مهما كان الاختلاف في الفكر أو الدين أو الرأي، فلم يكن هناك مجال للاختلاف أو الشقاق، بل كان الكبير يحتوي الصغير والمسلم بجوار المسيحي والسليم يعالج الجريح والقادر يعين العاجز.
ولهذا كان ميدان التحرير على صغر مساحته يضم ملايين البشر دون أن يشتكي أو يئن من عابث هنا أو متطرف هناك، بل كان الجميع كتلة واحدة في مواجهة “عدو” مشترك وهو القهر والظلم والفساد، كما كان الدافع والهدف قويا وكفيلا بأن يجعلهم يقدمون حياتهم وأرواحهم ثمنا لتحقيق الغاية التي وحدت كل هذه الأطياف من البشر وهي العيش والحرية والعدالة الاجتماعية التي حرموا منها جميعا طوال عقود وجعلتهم يشعرون أنهم يعيشون في دولة غير دولتهم إلى أن قرروا استرداد هذه الدولة وإعادتها لأحضان أبنائها المخلصين.
في تلك اللحظات تجسدت أفضل صفات وخصال الشخصية المصرية وبرزت الكثير من القيم الإيجابية البناءة التي كانت مثار انبهار العالم أجمع بهذه البوتقة المنصهرة التي تلقت الصدمات والطعنات بكل صدر رحب وصبر وإصرار على مواصلة مشوار العزة والكرامة فكان لهم ما أرادوا حقًا وصدقًا وعملوا له بإخلاص شديد وحب كبير.
كان المصريون في الخارج يتوقون لأن يكونوا بين إخوانهم في اللحظات العصيبة قبل اللحظات السعيدة، فكانوا في أماكن عملهم بأجسادهم بينما كانت قلوبهم وعقولهم مع وطنهم لحظة بلحظة إلى أن حانت لحظة النصر ووقت الفرج بسقوط النظام.
وبعد أن تحقق المراد وظن العباد أن الطريق بات مفروشًا بالورود لاستكمال المسيرة بكل يسر وسهولة، وبذات القيم النبيلة والخصال الشريفة، انحرفت اللوحة كثيرًا وظهرت بين جنباتها ثقوب سوداء تمثلت في جماعات وشخصيات انهزامية وأخرى انتهازية ومؤامرات سياسية ومكائد قانونية، وانفرط العقد وتساقطت المثل وبدا المجتمع المصري في صورة مغايرة لدرجة تجعلك توقن بأن المكان غير المكان والبشر ليسوا هم شركاء الأمس الذي تآلفوا وتوحدوا وتراحموا وتسامحوا وتوافقوا فيما بينهم.
فهل يا ترى كان نظام مبارك هو الستار على مثل هذه القيم والسلوكيات المجتمعية المنحرفة والممارسات السياسية والإعلامية الفاسدة، فتفتت الوئام وساد الخصام وانتشر الإجرام وغاب الاحترام.
بتنا أمام مجتمع متفكك متحلل من الكثير من القيم والمثل، وظهرت نخب ثقافية وسياسية عقيمة الفكر سليطة اللسان، وذاع صيت إعلام “متعجرف” لطالما كان متحدثا رسميا لنظام ما قبل ثورة يناير مدافعا عن سياسته مبررا لانتهاكاته وتجاوزاته.
ثم جاء النظام الرسمي الجديد بسياسات متخبطة وقرارات إقصائية وممارسات متسلطة، فكان الانقسام بين من يحكمون ومن يحكمون أو الموالين للنظام والرافضين له.
رغم أن الانقسام كان يزداد وضوحًا ويتسع تدريجيا ما كان يفرض على صاحب القرار معالجته بأن يكون حكمًا عادلاً بين الفريقين، إلا أنه انحاز لفريق دون آخر، وكان الانحياز فجا للدرجة التي أعادت أجواء ما قبل 25 يناير مرة أخرى.
ظن الحاكم أن الشعب لن يثور ولن يتمرد على سياساته، وزيادة في التأكيد والاطمئنان راح ينثر المسكنات بالحديث عن المؤامرات من هنا وهناك دون أن يشعر بالآثار السلبية لمثل هذه الأحاديث “المملة”، فإن كان زاعماً معرفته التامة بمثل هذه المكائد والدسائس، فلم لم يقض عليها وهو الذي تجمعت بيديه في لحظات كثيرة جميع السلطات، أم أنه آثر بقاء هذه المؤامرات لاستعطاف الشعب من ناحية وحتى تكون بمثابة مسوغات للفشل في تحقيق انجازات معيشية وتنموية.
ومن بين هذا المجتمع المتفكك والمنقسم، استلهم الشباب ثورة 25 يناير التي أنهت ظلم وقهر نظام متجبر من أجل مواجهة نظام آخر عاجز ومنحاز فكان التمرد على هذا النظام في 30 يونيو من العام 2013 م.
وهكذا، فكما كان المخلوع بفساده وقمعه سبباً في ثورة يناير وخلعه، كان المعزول أيضًا بعجزه وانحيازه وعدم إنجازه سبباً في التمرد عليه وعزله.