كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مصطلح “المحاصصة” للمرحلة المقبلة، إذ تزعم المعارضة أنها تلقت عرضين 6/6/6، و8/8/4، وأرجو أن لا يكون هناك عرض ثالث بصيغة 4/2/4، والحكومة تزعم أنها لم تقدم أي عرض من العروض التي تقول بها المعارضة، وأنها مجرد خيالات أو أمنيات. وبطبيعة الحال يقف الجمهور من البحرينيين، وغيرهم من المهتمين بتتبع الحالة البحرينية بين مصدِّق ومكذِّب لما يجري تراشقه بين الأطراف بحسب ما تعودوا تصديقه، ودرجوا على تكذيبه، فلا أحد يودّ أن يتعب نفسه بتصديق الرأي الآخر، أو على الأقل وضع الرأي المعتاد عليه موضع الشك ولو للحظة، ومن هنا فالطرفان مكتفيان بالجمهورين المؤلفين من عدة تراكيب تاريخية ونفسية وآيديولوجية، وغيرها من المكونات التي اعتادت على الاصطفاف مع من تنتمي إليه ظالماً كان أم مظلوماً.
ولكننا إزاء هذه الأقاويل الجديدة في الساحة البحرينية، يحقّ لنا أن نتوقف لبعض الوقت حتى نستبين ما إذا كانت عملية المحاصصة هذه أمراً جيداً أم لا. وهل كانت التجارب من اللمعان والنجاح في البلدان الأخرى أم لا حتى نستجلبها لوطننا؟ وهل المحاصصة بديل عن المواطنة أم ستعززها، أم ستقبرها؟ ومن له مصلحة في المحاصصة ومن سيتضرر منها؟ وبالتأكيد فإن الأسئلة لا تتوقف هنا، ولكنها تستمر في التتابع حتى تصل إلى النهايات، ولكن السؤال الأهم: من يمتلك الإجابات؟ ومن له أن يفرش سجادة الحالات التي جرت فيها محاصصات ويبين المطابقة بأوجهها والمخالفة بشتى أنواعها بين الحالة البحرينية وحالات أخرى؟!
عربياً، وهي الحالات الأقرب لتركيبتنا الفكرية والاجتماعية والمزاجية، نجد تجربتين بارزتين، وقريبتين، وناجزتين، ومعمول بإحداهما منذ 71 عاماً، والأخرى أحدث منها، ومعمول بها منذ أحد عشر عاماً. فالأولى التجربة اللبنانية التي منحت محاصصتها مناصب أسمتها تسمية لكل طائفة من طوائفها التي بلغت 21 طائفة على بعض الأقوال، و18 طائفة على أشهرها، بحيث لا يتولى هذا المنصب إلا شخص من طائفة معينة، حتى وإن وُجد من هم أكفأ منه من طوائف أخرى. ومن المثير للاهتمام، أن بعض المناصب لا تأتي بالانتخاب، كمناصب معينة في الجيش، أو الشرطة أو بعض المصالح الأخرى، فعندما يكون هناك أكثر من مترشح لشغل هذا المنصب المحجوز لطائفة ما بفعل المحاصصة، فيجري سؤال كبير الطائفة: من تريد أن يكون في هذا المنصب؟ فيشير إلى أحدهما!
وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات التي رمتْ (هكذا في الظاهر) إلى إحداث نوع من التوافق المجتمعي والسياسي في لبنان، لئلا تشعر طائفة “كريمة” أنها أقل كرامة من غيرها، أو أنها مستبعدة أو مستثناة أو مهمّشة أو معطلة عن الفعل السياسي والتنفيذي والتشريعي؛ فإن هذا لم يحم لبنان ولا سيادته، بل فتَّ في عضده، وأدخله حرباً ضروساً كان شرها مستطيراً، استمرت 15 عاماً، خلفت وراءها 150 ألف قتيل، و300 ألف جريح ومعاق، و17 ألف مفقود، وهجرة أكثر من مليون لبناني، وخسائر مادية قدرت بنحو 100 مليار دولار بحساب ذلك الوقت. فما الذي فعلته المحاصصة غير أنها جعلت كل طائفة تنظر بحساسية فائقة لكل قرار على أنه يمسها، أو يضرّ بها، وأنها مستهدفة، وبالتالي عليها أن تستقوي، وتستشرس، وتستذئب. هذا ما قادها إلى الحرب، بل والاستمرار في الحرب، المكابرة على إيقافها، وهو ما أدخل إلى لبنان جميع القوى الخارجية، ومن ضمنها “إسرائيل” كلٌّ يجهّز ويموّل ويغذي ويسلّح فريقه، لأن هزيمة طرف ما على الأراضي اللبنانية تعني هزيمته في الواقع الأكبر.
وهكذا الحال بالنسبة للعراق، إذ إن المحاصصة أفرزت الكثير من المظاهر الغريبة والمستجدة على هذا القطر العظيم، فلم يعد حاله اليوم أفضل مما مضى، ولا يومه أفضل من أمسه على أكثر من صعيد، وليس أدلّ على ذلك مما يشهده العراق من اقتتال في الوسط وشبه انفصال في الشمال، أو كما ننقل عن ميعاد الطائي “ومن أجل إرضاء جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية تم استحداث وزارات جديدة، وبدلاً من أن نشهد ترشيد الوزارات في الحكومة الجديدة، كسرنا الرقم القياسي في عدد الوزارات بين بلدان العالم قياساً بعدد السكان، ليكون لدينا أكثر من أربعين وزارة، إضافة إلى ثلاثة نواب لرئيس الوزراء، ومثلهم لرئيس الجمهورية، ونائبين لرئيس مجلس النواب، وكل نائب سيكون له مكتب وحمايات ومستشارون وموظفون، ما يساهم في زيادة حالة الترهل التي يشهدها العراق منذ فترة طويلة مع زيادة الوزارات والنواب الأمر الذي سيجعلنا بعد عقد من الزمن نكتشف أن موازنة الدولة سيخصص جزء كبير منها لرواتب تقاعدية لهؤلاء في الوقت الذي يعاني العراق اليوم من أن 70 % من الموازنة هي تشغيلية تخصص لصرف رواتب الموظفين ومنتسبي الجيش والشرطة والمتقاعدين، وبدلا من تخفيض النسبة التشغيلية من الموازنة نعمل اليوم على زيادتها على حساب الاستثمارية التي يتطلع الشعب الى زيادتها من أجل النهوض بالواقع الاقتصادي”. وليس هذا المقتطف وحده هو ما يدل على بؤس المحاصصة، ولكنها أفكار وآراء رأى الكثير منها أن المحاصصة تعني تغلغل مرض عضال داخل جسم الوطن، أساسه عدم ثقة الأطراف بعضها ببعض، وعدم قدرتها، لو تركت لوحدها، أن تكون منصفة للجميع، بصرف النظر عن انتماءاتهم، فلابد أن تجري حراسة هذه الحقوق عن طريق إسناد حصص مؤثرة للأطراف فيها حتى ترعى مصالح أهلها، ويتوافق المتحاصصون إما على خدمة البلاد بالتشارك، أو فتّها وتحطيمها عبر السكوت المتبادل عن أخطاء بعضهم بعضاً.
أياً ما كانت المحصلات، فإن رأيي (وربما يكون خطأ) أنه من الإجرام في حق البحرين أن تحل المحاصصة محل المواطنة، لأن نهاياتها لا تلوح بما ينبئ بخير.