العدد 2106
الإثنين 21 يوليو 2014
هل عندك “قضية”؟ غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 21 يوليو 2014

أعاود في هذا المقال طرح الإشكالية التي انتهيت إليها في المقال الماضي عن ردود الفعل البليدة التي نعاني منها، ليس في بلادنا وحسب، ولكن في الكثير من البلاد العربية، حتى كثرت سياطنا الخاصة في جلد الذات بمرارة وحُرقة سواء إن ولّينا وجوهنا شطر المواقف الرسمية، أو ولّيناها شطر المواقف الشعبية، فهي – في محصلتها النهائية – أقل بكثير مما يمكن أن يكون عليه ردُّ الفعل والاستجابة في حالة إنسانية صرفة، بغضّ النظر عن مَن مِن الفصائل الفلسطينية التي تتولى اليوم القتال والمواجهة مع القوة المحتلة. فلقد تساقط الكثير من الأبرياء، خصوصاً الأطفال، وهذه هي الخطة الإسرائيلية الواضحة للضغط على كل من يمكن أن تسوِّل له نفسه أن يتعدى عليها، فالضرب لا يكون من جندي لجندي، ولا من جيش لجيش، ولكن الذهاب إلى الأكثر وجعاً وإيلاماً، وهم الأفراد المدنيين، وأيُّ المدنيين يكسرون النفس أكثر من رؤية طفل فارق الحياة وهو يلهو، أو ربما يهرب، على شاطئ البحر في منطقة مفتوحة، تنتفي فيها نسبة الخطأ في قتله مع وجود كل هذا التقدم التكنولوجي. يريد جيش الاحتلال أن يجبر الأهالي على أن ينقلبوا على “حماس” من الداخل ويقولون لها: كفى، نريد العيش بسلام، نريد أن نربّي أطفالنا كبقية شعوب الأرض، نريد أن نفرح بهم، نريد أن نرى أحفادنا، وقّعوا معاهدات الاستسلام كما فعل غيركم فلقد قدّمنا ما يكفي من تضحيات... ولكن هذا الشعب يظل متفرداً، فلا هو يتعب من الولادة، ولا يملّ من تجهيز قرابين حريته وعناده. والأنكى من كل هذا، ردود الفعل الغربية إلى الآن أكثر تفاعلاً وإنسانية وقوة من ردود الفعل العربية والإسلامية، رسمياً وأهلياً!
وعودة إلى السؤال: ما الذي يجعل الشعور العام باهتاً، بارداً، مسطحاً، وكسولاً؟
في كتابه الذي صدر في العام 2005، يعالج الدكتور مصطفى حجازي من خلال “الإنسان المهدور”، كما عالج غيره أيضاً، الكثير من القضايا التي تصنع المواطن العربي اليوم، بعضها يأتي من داخل المنظومات السياسية والفكرية نفسها، وبعضها يأتي من خارج حدوده الوطنية. ولكن واحدة من أهم الإشارات التي يذهب إليها – إلى جانب القهر والكبت والإرهاب المحلي والاستبداد والعصبيّات والولاءات الصغرى – هي مفاعيل الإعلام الذي يشكل الفرد، ويجعله موصولاً معه في مشيمة لا تنقطع، ويرضع من خلالها كمّاً من التسلية المتتالية والتي لا تقف عند حدّ، ولا آخر لها. وهو ما تجتهد مصانع الإعلام العالمية، ومن خلفها المحلية في الدول المختلفة، لأن توالي ضخّه في العقول والنفوس بشكل عام، وليست العربية بالتحديد، حتى لا يقال إنها مؤامرة، بل هي سوق واسعة يحاول الصنَّاع الأساسيون في العالم أن يربحوا من خلالها مليارات لا تتوفر لكثير من الدول ذات المؤسسات والإنتاج والشعوب التي تسبّح بحمدها، وتنسب النعم إليها، وتشعر أنها ستضيع من غير هذا الزعيم، أو ذاك الملهَم والملهِم الذي يقف على رأس السلطة.
إنها عملية يطلق عليها حجازي “تطفيل الإنسان”، أي جعل عمره الزمني لا يتماشى مع عمره الفكري، أو نضجه المفترض، فيعيش في دوامة لا مركز لها، من برنامج إلى آخر، ومن عمل فني إلى آخر، ومن لعبة إلى أخرى، ولا يخرج من هذا الإطار اللاهي. هذه الدوامة تكبر وتبتلع الجميع، إذ لا تبقي ولا تذر، ويصبح من هم خارج إطارها عبارة عن أشخاص غرباء لقلتهم، وللغتهم التي لا تتناسب مع الكمّ الأكبر من الجموع التي تنخرط في هذا التيار الأكبر. وإذا ما أراد من هم خارج “اللعبة” الاقتراب من أطرافها لعلهم “ينقذون” من يمكن إنقاذهم، فلا يمكنهم ذلك إلا من خلال ممارسة اللعبة نفسها، حتى يكونوا يتحدثون باللغة التي يفهمها من في هذا النهر الآخذ في الاتساع، فيجري ابتلاعهم أيضاً من حيث يعلمون أو لا يعلمون، ومن حيث يريدون أو لا يريدون، إذ لا خيار للنار إلا أن تصهر المعادن، ولا خيار للمعادن إلا الانصهار، ومن لا ينصهر، تتغير ملامحه ومركّباته، ويصبح من الصعب التعرف عليه كما كان في السابق!
أما الذين يخرجون من هذه اللعبة فإنهم ينكشفون فجأة على عالم يعجّ بالمتناقضات، يسوده اليأس والظلم وانعدام العدالة، فيودّون أن ينتهي هذا كله في ليلة وضحاها، ويذهبون إلى أسرع الحلول، وأكثرها نجاعة، في ظنهم، وذلك بإعادة الميزان (كما يرونه) إلى اعتداله المفترض، وليس أسرع طريقة في تحقيق هذا الحلم من حرق المراحل، واستخدام القوة حتى يحق الحق، والبدء من “تنظيف” البيت الداخلي، ولو أدى هذا إلى نفي من لا يتوافق معه، كلياً أو جزئياً، أو... القضاء عليه. فيقضي الواحد منهم عمره في هذا “التنظيف” الذي لا ينتهي، وينكبّ عليه لاهياً عن قضايا كبرى لا يمكنه الوصول إليها ولو أعطي أعماراً في مساعيه تلك.
إن افتقاد الكثير من الناس اليوم إلى “قضية كبرى” من شأنه أن يقود الناس إلى سلوك واحد من اتجاهين اثنين: إما الدخول في قضايا جزئية وصغيرة يفنون حياتهم من أجلها، ويشعرون أنها نهاية الارب، وغاية المرتجى من وجودهم، وهذا ما نراه اليوم في الكثير من أصقاع عالمنا العربي، حيث التشرذم والتجزئة والتناحر والاقتتال؛ وإما اللامبالاة بأي شيء، وتتساوى عندها مشاهد القتل والدمار على أرض الواقع، مع تلك التي تأتي مشاهدها في أقنية اللهو المسطِّح للمشاعر والانتماءات.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية