يحار المرء عن أي الأمور يكتب، وأي المصائب توفر ذريعة أساسية لتناولها، فجميع ما حولنا يمور، وكأن هذه المنطقة من الكرة الأرضية قد كُتب عليها أن تظل هكذا رجراجة لا يمكنها أن تلتفت إلى نفسها ولو طرفة عين، وكأن عليها أن تصرف طاقاتها البشرية والمادية والنفسية والفكرية، في تفكيك المفكَّك، وإعادة بعثرته من جديد، وصرف السنين الطوال في إعادة التجارب الفاشلة، ولكن بتغيير الوجوه وحسب، والمصيبة أنه كلما تقدم بنا الزمان ازدادت التجارب سوءاً عن ذي قبل. فالظروف ليست اليوم هي نفسها تلك التي كانت بالأمس، وغالبية الناس صاروا منهكين، منهارين، تعبين من هذه التجارب والمواقف والأحداث التي تنتج جيلاً وراء جيل أقل صلابة، وأبعد بأميال وفراسخ عن أصل القضية/ القضايا.
ففي غزة لا تزال عمليات الأخذ والرد بين حماس وفصائلها، وفصائل أخرى تأتي وتذهب، والشهداء يترافقون الواحد بعد الآخر. وماسبق وأن عمّرته الأيادي في غزة بعد “الرصاص المصبوب” في 2008/2009، جرى ويجري تدميره وهدمه، للعودة إلى مرحلة ما قبل المربعات حتى. من حق من يُحتل وطنه أن يقاوم، وأن يدفع بكل ما لديه من وسائل من أجل نيل حريته، وسيكون عار عليه إن خنع وسلّم واستسلم لمن اغتصب كل شيء فيه وحوله، وليس هذا شعب فلسطين.
ولكن الأثمان غالية، والردود قاسية ومؤلمة، وهذا ما تريده “إسرائيل”، حتى لا يفكر الشعب الفلسطيني بالعودة ثانية لأي عملية عسكرية. بل وتعمل على استفزازه حتى يقدم على عملية استرداد كرامة، حتى تتذرع بالقسوة عليه، وضربه في عمق العمق، وهي تعلم أن لا شيء يوقفها عما هي فيه. وتعلم أيضاً أنها ليست في مواجهة شعب خوّار، فلقد جربته 66 عاماً، وتعرف تماماً مع من تتعامل، ولكن الفوارق واضحة وفادحة بين الطرفين، والأكثر فداحة هي الفرجة العربية والدولية وقلة الحيل والهوان أمام ما يجري، بينما الشعور بالقلق سيكون هو غاية ما تقدمه الأمم المتحدة عبر أمينها العام. ستنتصر آلة القهر والقمع، ستكون لها جولة، ولكن هذا لا يبقي لها دولة، فهذه هي النواميس التي وإن طالت، فإنها ستأخذ نصيبها من التمدد والتغطرس، ولكن ذلك لا يأتي بفعل الزمن وحده، وما دامت أمتنا على هذه الحال، فإن ما نرجوه من المحال.
هل نذهب شرقاً إلى العراق الذي ابتلي منذ زمن بعيد، وكأنه مصاب بلعنة الحكام الذين تعاقبوا عليه، فأوكلوه زمناً في قبضة البوليس السياسي، والقمع والخوف والإرهاب والتخويف، وزمناً في مغامرات الحروب شرقاً وجنوباً وتحت حجج مختلفة، وتالياً تحت حصار استمر 13 عاماً، ومن بعده الحرب على العراق التي أسقطت مئات الآلاف من الضحايا، وما لحق ذلك من “صحوة” الروح الطائفية التي رأت أنها ظُلمت ردحاً من الزمن، وتلك التي ترى أنها تُظلم اليوم، حتى أن العراق، ذا النفط والزراعة والثروات البشرية، صار اليوم نهباً للضعف والتشرذم، حتى ابتلي أخيراً بـ “داعش” الذي يطلب زعيمه البيعة، وكأننا في عصر أبي مسلم الخرساني، أو في عهد الدولة العباسية حين كثرت فيها الفتن وخرج الفرق من كل مكان تدّعي إمارة المؤمنين وتطلب البيعة لنفسها بسبب ضعف الدولة وتمدد حدودها وانغماس حكامها في الملذات. هذا التنظيم الذي يكرر ما حدث في أفغانستان طالبان حينما وجهوا مدافعهم ناحية تماثيل بوذية، وأشباههم في مالي الذين لم يجدوا أساساً لبناء دولتهم عليه إلا نبش القبور وهدم الأضرحة وتدمير المكتبات التاريخية، وهكذا فعل “داعش” في العراق، الذي استهدف ما خالف توجهاته (وليس أصل مذهبه وحسب)، فقام بتدمير الأضرحة وكل ما لا يتفق معه. وإذا كان لكل فعل ردُّ فعل، في المنطق الفيزيائي، فإنه من غير المقبول الفعل ولا ردِّه، والكل يريد أن يصوِّب السهم الأخير قبل أن يتفضل بالجلوس “منتصراً” على طاولة الحوار، وهذا يبدو أنه لن يحدث في المستقبل القريب.
إلى اليمن التي تقول تقاريرها الرسمية أنها فقدت خلال أيام 260 فرداً من القوات الحكومية والحوثيين في حرب السيطرة على المناطق، فلا سعادة في اليمن اليوم، ولا أمن، حيث تتغول فيه المجاعة التي يتأبطها الفقر المدقع، في بحر هائج من السلاح، خفيفه وثقيله، واتهامات لجناح الرئيس السابق علي عبدالله صالح بتحريك وتحريض كل ما من شأنه تقويض النظام، وقوى داخلية وخارجية تتآمر على اليمن، وتزوّد الجماعات بالسلاح، وتقوّض أمنه الهش، واستقراره الذي لم يكن إلا في خطابات المتناقضين على الساحة المحلية.
هل ليبيا أفضل حالاً؟ حيث الصراع يدور في دولة تحول لملمة مؤسساتها، ومحاولة تكرار التجربة المصرية الأخيرة القائلة إن لا خلاص إلا على أيدي العسكر، بينما نرى خلاص الأمم المتقدمة على أيدي القوى المدنية ذات العلاقة المباشرة مع التنمية والحقوق والخدمات الأفضل، وصراع مع البطالة والفقر والتعليم الأفضل والصحة. ليبيا الدولتان اللتان تكملان ما يقال إنه مخطط غربي، ولكننا ننفذه بحرفية عالية وكأننا قد تلقينا تدريباً عالياً ومكثفاً من أجل الإسراع بتحقيقه وكأننا نجري منحدرين من جبل، تتزايد سرعتنا ولا نملك أن نتوقف!
أما مصر التي تتجرع اليوم “الدواء المر” بحسب رئيسها، عندما أمر برفع الدعم عن المحروقات، الأمر الذي سيعود سلباً على أسعار المواد والسلع والخدمات، كل هذا يفتح الباب أمام رفع الدعم عن مواد أخرى لأنها سلسلة من الإجراءات الرامية لتخفيف العبء الاقتصادي عن الدولة، وبحسب توصيات الجهات الدولية المانحة، فهل ستواجه مصر من جديد “انتفاضة حرامية” كما سبق وأن أسماها الرئيس الراحل أنور السادات؟
ونتوقف بعلامة تعجب كبيرة في البحرين التي حملت صحفها يوم الثلاثاء أخباراً تدعو للتأمل، إذ أعربت عن عدم ترحيبها بمساعد وزير الخارجية الأميركي بسبب لقائه مع طرف واحد من دون الأطراف الأخرى، في الوقت الذي نشرت في صفحات أخرى لقاءاته مع شخصيات رسمية وأهلية، وتصريح المتحدثة باسم الخارجية الأميركية أن المسؤول الأميركي باقٍ في البحرين!
أليست هذه الشبكة المعقدة كفيلة بأن تجعل الحليم حيراناً أي الطريق يسلك، وأي القضايا يهتم بها، وأيها يقدّم على الأخرى، وأي زمان هذا الذي نعيشه، وأيُّ أرض هذه التي تتزلزل من تحت الأقدام؟!