لو التفتنا حولنا لوجدنا صحّة مقولة: “لكل زمان دولة ورجال”، فهذا الزمان الذي نحن فيه هو امتداد لزمان بدأت نواته تتكون وتتصلب منذ حوالي 30 عاماً، وهو زمان تقدُّم المسألة الدينية في جميع مناحي الحياة، خصوصاً السياسية منها، وذلك أتى على أنقاض زمان ودولة ورجال وأفكار سابقة، قد يقال إنها “وطنية”، وإن كان الدين – في فكرته الأساسية – لا يعني أنه يقف في مجابهة الوطنية، وقد يقال إنها “اشتراكية”، أو تحررية، أو ليسمِّها من يشاء ما يشاء من تسميات، ولكنها تعني شيئاً واحداً وهو أن التعاطي مع كل زمان يجب أن يكون في حدوده التي تتيحها الظروف التي أفرزت هذا الفكر والممارسة اللذين يقودان الحياة العامة، سواء توافق معنا هذا التيار أم اختلفنا معه.
والمثير في مسألة صعود التيار الإسلامي، أو الديني بشكل عام في منطقتنا العربية والإسلامية، هو هذه الحدِّية التي تتشكل فيها رؤاه للأمور، وهي حدية لا يمكن إلصاقها به وحده، لأنها كانت حتى في زمن “الوطنية”، أو “اليسارية”، قائمة، ولكن بلبوس مختلف، وأوصاف أخرى. فإن قيل عن الإسلاميين إنهم لا يقبلون الاختلاف، فلنفتش عن تيارات برزت، وحكمت، أو سادت، وكانت تقبل الاختلاف، وتتسامح معه. وإذا قيل إن التيار الإسلامي يكفِّر من يختلف معه، فإن التيارات الأخرى تخوِّن وتعمِّل (إطلاق وصف العمالة) كل من لا يسير في ركابها، ويخضع فكرياً لها، فالمسألة تبدو متشابهة كثيراً لولا الزمان، والدولة والرجال الذين اختلفوا طيلة هذه الحقب، والذين تبدّلت مواقعهم من الظل إلى النور، أو العكس، والذين كانوا في واجهة المناضلين فأصبحوا في مؤخرة الركب أو العكس، وتبدّلت الوجوه التي تغصّ بالسجون السياسية، وإن لم تتبدل وجوه السجانين.
ومع ذلك، فإن المشكلة الكبرى التي نعاني منها سياسياً على امتداد هذا الوطن الكبير، أن من يتصدى للسياسة هو من يتصدّى للدين، والفصل بين الاثنين صار يصعب أكثر وأكثر كلما ارتفعت مكانة الديني المشتغل بالسياسة. فالدينيون يكررون أن ليس مكانهم الطبيعي في التكايا ومدارس الفقه وحسب، بل إنهم أيضاً مأمورون ليقوموا على أمور الحياة، وبما أن السياسة واحدة من أهم الأمور الحياتية التي تتأثر بها المجتمعات، ومن خلالها، وعبر السلطة التشريعية، والتي هي المجالس البرلمانية المنتخبة من قبل الجمهور؛ يتم وضع القوانين وتشريعها، فلابد هنا من درء المفسدة، وجلب المصلحة للمجتمع، ومن ذا الذي سيكون أميناً على المجتمع وتشريعاته، وصوغ يومياته أكثر من رجل الدين الذي يرى أن هذا الأمر هو واجب شرعي حتى لا يُترك لفاسق أو فاسد. وهذا ما جعل طائفة من شيوخ الدين يتنازلون عن عدائهم المؤقت لـ “الديمقراطية”، بوصفها مصطلحا وممارسة لم ترد في تاريخنا الإسلامي، ولم يُفتِ بها مفتون من الرعيل الأول والسلف الصالح، وينخرطون فيها اضطراراً لحين عودة الشكل السابق بوجود مجالس الشورى التي تتألف من أهل الحل والعقد كما كان في زمان سحيق، وومضة من ومضات التاريخ التي لم تتكرر.
وعندما نصف هذا الأمر بـ “المشكلة”، فذلك لأن التفريق يبدو صعباً جداً بين ما يتوصل إليه هذا الشيخ، أو ذاك الخطيب، أو المتصدي من الدينيين للسياسة بالعموم، من فتوى أو موقف ناتج عن رأي بشري يصيب ويخطئ، وإن استجلب من الشواهد والأسانيد الدينية ما يؤيد موقفه؛ وبين الدين نفسه. فإذا كان القرآن الكريم، وهو دستور المسلمين، يُعتبر “حمّال أوجه”، عند الرعيل الأول من المسلمين الذين كانوا أكثر الناس معرفة به، فكيف الحال بنا اليوم؟ وهل أفهامنا للنصوص القرآنية (أقصد أفهام المتصدين للفتاوى) هي بالقدر ذاته من فهم الأولين لهذه النصوص؟ وهل كل ما يأتي منهم يجب أن يصدَّق على اعتبار أنهم أفهم الناس وأقدرهم على رصّ الأسانيد الدينية المؤيِّدة لما يذهبون إليه؟ أليس لكل رأي ما يقابله ويناقضه ويتغاير معه؟ وإذا كان النصّ القرآني مقدَّسا، فهل هذا التقديس نفسه ينسحب على آراء واجتهادات رجال مرّوا قبل ألف سنة أو أكثر، بتجارب مختلفة عن تجاربنا، وبظروف ليست هي ظروفنا، وبواقع محلي وإقليمي ودولي بالتأكيد لا يتشابه مع ما نحن عليه اليوم؟ فلا موقعنا اليوم من الأمم يشبه موقع أمتنا منها بالأمس، ولا الأفكار والفرق هي ذاتها، ولسنا في عهد الفتوحات، كما أننا – في المجمل – لسنا خير الأمم ولا نحن في مقدمتها، ولكننا الذين تتداعى علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فأيّ الأحوال التي يمكننا استلالها من فتاوى الأمس يمكن أن تنطبق على أحوالنا اليوم؟
والمشكلة الأخرى التي لا تقل إقلاقاً عن الأولى، هي الاستقطابات الحادة التي يتميز بها أتباع المذاهب الدينية، حيث الامتداد التاريخي للخلافات الأساسية التي أفرزت هذه المذاهب، والقصص التي أسستها، مما ينسحب اليوم على ما يصدر عن رجل الدين من هذا المذهب أو ذاك. فإذا كان من الصعوبة بمكان – في عالمنا العربي – التحول من حزب إلى آخر، أو الانتقال من جناح إلى جناح في حزب ما، إذ وراء مثل هذه القرارات ما وراءها؛ فإنه من المستحيل أن يرى الفرد “شيخاً” من طائفة أخرى له رأي مقنع، ويجري اتّباعه، لأن ذلك خروج عن الملة، بكل ما فيها وما تعنيه من تاريخ جرت سقايته للفرد قبل حتى أن يبصر النور!
لاشك أننا أبناء هذا الزمان، بكل ما فيه، بدولته ورجاله، ومن الصعب جداً الخروج على ما فيه، على الرغم مما نراه يجري باسم الأديان والمذاهب والطوائف، من عسف وتقتيل وتنكيل، لا تشتدّ الحميّة إلا على الأقربين الذين هم أولى بالقتل والإقصاء والسحل والتفاخر بمنسوب الدماء التي يخوض فيها كل فريق، مع أكداس من التبريرات والفتاوى التي تبرر وتبيح كل ما يجري في دوائر الانتقام.. ليس سهلاً هذا الخروج، ولكنه أبداً ليس مستحيلاً.