العدد 1920
الخميس 16 يناير 2014
تواصل ومقاصل غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 16 يناير 2014

تحركان على درجة عالية من الأهمية قام بهما هذا الأسبوع صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد نائب القائد الأعلى، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، بصفته الأخيرة من مسماه، وهما التوجيه لانضمام الوزارات والهيئات الحكومية كافة إلى النظام الوطني الموحد للمقترحات والشكاوى (تَواصل) من أجل تأمين قنوات تواصل دائمة ومباشرة ما بين المواطنين ومسؤولي الجهات الحكومية؛ لتعزيز تلبية تطلعات المواطنين بتطوير الخدمات الحكومية كافة الموجهة إليهم بمختلف قطاعاتها، والذي أتوقع رؤية بقية الوزارات والهيئات الحكومية تتهافت للانضمام إليه في الفترة القريبة المقبلة؛ وذلك لأن الأمر خرج من مجرد الأمنيات، والجانب الاختياري، إلى التوجيه اليوم، قبل أن يصدر الأمر بإلزامية الانضمام إلى هذه الخدمة؛ وذلك ليكون الانضمام طوعاً اليوم أفضل من أن يكون كرهاً في الغد. ويصدق على الانضمام إلى تواصل ما يصدق على عدد غير قليل من المسؤولين في بدايات العام 2001، حينما بانت تباشير الحراك السياسي تتقدم نحو المزيد من الديمقراطية، إذ فهم البعض منهم المسألة وفضّل الانزواء لأنه سيدخل زماناً غير زمانه، بينما اضطر نفر آخر إلى لبس عباءة الديمقراطية والشفافية وإطلاق الحريات، وهم كانوا قبلها بقليل من أشد المدافعين عن الشكل التقليدي الذي كانوا يسيّرون به مسؤولياتهم، ولكنهم تلوّنوا وقلوبهم لم تطمئن إلى التغيير والتطوير، ولكن “من يعاف” السلطة؟!
وإذا لم يكن للإنسان إلا الظاهر، وأنه ليس من حق أحد أن يشق عن صدور الناس ليعرف ما تكنّه، فإن لنا ظاهر القول الذي يشير إلى أن “تواصل” سيمكّن الجهات الحكومية من تلقي المقترحات والشكاوى (التي يلطّفها المسؤولون سابقاً بتسميتها: الملاحظات)، من الجمهور مباشرة، وتتم عملية رصد تعاطي الجهة من المقترح أو الشكوى، وإمكان تتبع المسؤول المراحل التي وصل إليها التعاطي مع المشكلة. كل هذا حسن، ويسير في الطريق المطلوب حتى لا يسدّ أيّاً كان باب إيصال الشكوى. وهي واحدة من الطرق التي اتخذها الولاة في العصور الغابرة الذين لا يثقون في الحُجّاب والوزراء الذين كانوا يخفون الحقائق على ولاة الأمور، فينزلون بأنفسهم لتفقد الرعية، واليوم يُطلب من الرعية أن تملأ هذه الخدمة بالشكاوى الحقيقية وليست الكيدية، وبالمقترحات البنّاءة؛ من أجل التطوير والتغيير.
ويمكن إضافة جزئية مهمة في هذا السياق، وهي أن الموظفين في أي مؤسسة هم أعلم الناس بدواخل ما يجري في مؤسساتهم، وهم يعلمون تمام العلم ما إذا كان التعاطي مع المشاكل مجرد ألعاب نارية تبهر العيون، أم حقائق يجري معها تحسين العمل، ورفع الغبن، وتصحيح المسار.
فعندما ينشر موظف ما شكوى معينة، تستنفر الوزارة، ويجري الجري يمنة ويسرة، ويصطدم الداخلون بالخارجين من مكتب المسؤول الأرفع، حاملين معهم الملفات والأوراق، ونتائج البحث والتنقيب والتجسس الإلكتروني، ليس عن المشكلة، بل عن من أوصلها إلى الملأ، وجعل المؤسسة ومسؤوليها سيرة تلاك بالألسن، ويبدأ الجهد، كل الجهد، في التوجه للإيقاع بـ “الواشي” الذي كشف العورات، وهتك الأستار.
أعتقد أن الخطوة المكملة لهذا المشروع يمكن أن تسمى “مفاصل”، وهي الجهة المركزية التي تتلقى شكاوى واقتراحات الموظفين أنفسهم عمّا يجري في داخل مؤسساتهم، والتدقيق فيها، والتحقيق إن ارتقت للتحقق منها؛ وذلك حتى يمكن تلاقي الإصلاحات من قبل ما يرد من الجمهور، وما يرد من داخل المؤسسة، من أجل إقفال الدائرة الخاصة بالتعامل مع الأداء الحكومي الذي يشهد تحسينات على مستويات مختلفة، ولا شك، ولكن الطموحات والآمال أكبر من الواقع، ولأن الممكن على بعد أقل من خطوة، ولكنه يحتاج إلى من يخطوها من أجل خدمات أفضل مما هي عليه اليوم.
أما الخطوة الثانية التي قام بها سموه، فهي المتابعة الحثيثة للتقرير العاشر لديوان الرقابة. إذ إنها السنة الأولى التي يلمس فيها الناس خطوة أكثر من التلويح والتصريح بأن المخالفات لن تمر مرور الكرام. فقد اكتفى الناس من هذه التصريحات المتكررة. فإذا كانت السنة الأولى سنة “الصدمة”، والثانية سنة “الدهشة”، فإن الاستمرار إلى السنة العاشرة يعني سنة “الرعب” من تكرار المخالفات، بل وزيادتها في بعض الأوجه بدلاً من تناقصها؛ وذلك لافتقاد الجانب المكمّل لعمل التقرير، وهو “المحاسبة”.
الحدس الشخصي يقول بأنه لن تكون هناك أي “جرائم”، وإن التحقيقات ستشير إلى تجاوزات لأسباب مختلفة، وإن حسن النية أحياناً يغلب على تعمّد المخالفة، وإن هناك أموراً أقوى من اتباع القانون، وأمضى من تطبيق اللوائح المالية، والإجراءات المتبعة، والأسباب كثيرة ومتشعبة. ولكنها، الخطوة المهمة في هذه المعضلة السنوية، وهي أن يستشعر المستسهلون، والمستهترون، والمتلاعبون عن سابق إصرار وترصّد، بأن السنة لن تطوي السنة، والتقرير لا يجبّ التقرير، وأن الأموال العامة هي للعامة، أي للناس، كل الناس، وليست مقصورة على جهة، وأن لكل مواطن، أينما كان، ومهما كان، حق فيها، ولو كان حقه عبارة عن دينار واحد ليس غير، وأنها أمانة وليست دولة بين من لهم اليد في الاغتراف منها.
وربما يفيدنا القانونيون وأصحاب الاختصاص ما إذا كانت المخالفات تسقط بالتقادم أم لا؛ لأن مجموع المبالغ التي رصدتها التقارير التسعة الفائتة تستحق التوقف عندها، خصوصاً إن كان المتسببون في المخالفات لا يزالون على رؤوس أعمالهم، وأن تكرار المخالفات آت من ناحيتهم. ربما لا أحد يود أن يرى المشانق تعلق، أو المقاصل تُسنّ أطرافها، فليس البحرينيون دمويين بطبعهم، ولكن كف اليد عن السرقة المتعمدة، أو التضييع نظراً للضعف أو قلة الدراية أو لأي سبب آخر، سيكون من الأمور ذات الأثر الإيجابي في اتباع القانون، على أن لا يُفهم من القانون أنه بخل وتقتير.
وإن كان الحدس لا يغني عن الحق شيئاً، وإن كان الناس “يتعطشون” أحياناً لتقديم مسؤول أو أكثر إلى القضاء، ولكن المسألة أبعد من “كباش الفداء” الذين يضحّى بهم، فالآمال تتعلق بوجود نظام ذي ديمومة وثبات في معالجة هذه الخروقات، يحمل في طياته الجدية العالية والصرامة في تطبيق هذه التوجهات، تنعكس على التقرير الحادي عشر لديوان الرقابة الإدارية والمالية وما بعده من تقارير، ليأتي تقرير السنة المقبلة أقل كثافة، وأقل فجاعة، وأقل ثقوباً سوداء تتسرب منها الأموال ويتوقف من بعدها السؤال.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .