العدد 1917
الإثنين 13 يناير 2014
الضغط الأسموزي على الثوابت الوطنية غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 13 يناير 2014

بمزيد من اللوعة والأسى، وبكثير من أنواع التحسّر الذي يمازجه تهدّج في الصوت بما يسبق البكاء، قال أحد المنظرين المحليين إن الشباب البحريني (أو جزءاً منه لنكن أكثر دقة) بات يتلقى تعليماته من الخارج، وأن مرجعيته لم تعد مرجعية وطنية، وأنه يأتمر بأوامر أناس لا تربطهم بهم إلا الروابط الدينية، وليست الروابط الوطنية. وذلك في إشارة إلى الروافد التي ترفد الناس بالشعور الوطني تجاه الأحداث، وبالمواقف الوطنية لما يجري على الساحة المحلية، اتخاذاً من الأحداث التي مرت على البحرين نموذجاً لها.
والاتفاق وارد مع هذا الطرح لأنه بات من الحقائق التي لا يمكن الإشاحة عنها، أو المواقف التي لا يمكن القول بنقيضها. ولكننا نعود إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أنه في حال تدافع الأمم تجاه بعضها البعض، لا يمكن ترك فراغات إلا وجرى ملؤها، ومن يترك الفراغ أو السعة، ليس عليه أن يبكي أو يتباكى لأن غيره قد قام بملئها من دون استئذانه، وعليه أن يبذل الجهود المضاعفة والذكية من أجل استعادتها، إن كان جاداً وراغباً في استعادتها، لأن لا جهة، سواء كانت من الدول أو الجماعات أو الأفراد، سيكون من الطيبة والكرم ليتبرع أو يتنازل عن مساحة قام بملئها للآخرين، لأن هذه العملية قد كلفته الكثير من المال والجهد والتعب والدعاية والترويج، فلمَ يتنازل عنها للغير بعد أن أصبحت خاصته، وهو المتحكم بها، والواضع رايته على أرضها؟
إنها عملية تشبه ما تعلمناه في الابتدائية عن الضغط الأسموزي، الذي تتلمس فيه السوائل أو الغازات المضغوطة أي فراغ لتنتقل إليه، فإذا وُجد سائلان متفاوتان في الكثافة، انتقل السائل الأكثر كثافة إلى جهة الأقل كثافة واحتل محلّه. وهل في قوانين الطبيعة من عجب؟
هذا الأمر نفسه الذي نعاني منه في البحرين، وفي الكثير من البلاد العربية، التي تشكو الغزو الفكري، والعقائدي (الأيديولوجي)، والنفسي، وغيرها من أشكال الغزو، وتتربع هذه الأشكال المتنوعة من الغزو في قلوب ونفوس الناس، وتحفر لها مقاعد، وتجلس متربعة، وتجري مجرى الدم من الإنسان، ثم يراد بعد ذلك أن تتفضل هذه العناصر بالخروج بعد ما وجدت البيئة التي تتربى فيها، وبعدما تماهت هي وبيئتها الجديدة (الإنسان الجديد الذي تلقاها)، وبعد أن تمسكت بها هذه البيئة، وتشربت كل المزاج الجديد، والطرح الجديد، والفكر الجديد، والروح الجديدة، والأخلاق الجديدة؟! إن ذلك - وربّي - من أصعب الأمور التي يمكن المطالبة بها. خصوصاً وأن المطالِب لا يفعل شيئاً من أجل “تحرير” المساحات التي تم اختطافها منه، لا يقدم على أية خطوة من أجل استعادتها، يريد أن يجأر بالشكوى وحسب، وهي أضعف من أضعف الإيمان في أوقاتنا هذه. إنها الطبيعة العربية التي درجت على “التنديد” و”الشجب” و”الاستنكار”، بينما أراضيها يتم قضمها قطعة قطعة وهي تتفرج، من دون أي مشروع يعيد هذه الحقوق لأصحابها.. الأمر نفسه، بل أخطر بالنسبة لغزو البشر، لأنهم يصبحون بيننا من دون أن نعلم عنهم شيئاً، كحاملي الأمراض الخطيرة الفتاكة الذين يتجولون معنا، ويصاحبوننا، ونختلط وإياهم، قبل أن نكتشف المفاجأة الصاعقة التي تهز الكيان، وتهدم البنيان، ذلك فقط لأننا لم نتلق اللقاحات الوطنية المناسبة، ولم تنتبه “وزارة الصحة الوطنية” أن فيروسات الغزو الفكري والنفسي والعقائدي لا موسم لها، ولا شكل لها ولا لون ولا باب تدخل منه، بل هي منتشرة في الفضاء والفضائيات وتتسلل إلى البيوت عبر عشرات الطرق والنوافذ، ولا سبيل اليوم لأن تغلق دولة على نفسها، وتتحصن عن العالم، حتى لو أنفقت مقدّراتها جميعها من أجل ذلك؛ لأنها ستكون معرضة للآخرين شاءت أم أبت.  إن “الغرس” الوطني الذي يراد منه أن يحمي الأوطان لا يأتي عبر الأشعار والأغاني الوطنية، وإن كانت جيدة لبثّ الحماس المبني على الثوابت الوطنية التي جرى تثبيتها كما تثبّت قواعد البيوت التي يحرص أصحابها على أن تكون أقوى ما تكون حتى يمكنها بعد ذلك أن تحمل الأثقال التي ستأتي عليها، والتي ستتحمل بعد ذلك طوابق وغرف البيت الوطني داخل كل فرد فينا. إنها قواعد تقوم على العدل والمساواة والفرص المتساوية بين المواطنين، والشعور الخاص بأن كل واحد مهما كان وكانت انتماءاته وأصوله وعروقه، جزء أصيل من هذا الوطن، وأن وجوده إضافة، وأن غيابه خسارة، وأن وطنه مقدَّمٌ على كل شيء، وأي شيء، وأن ارتباطه به ارتباط وجود. كل هذا يحتاج إلى الكثير من الجهد، ويحتاج إلى سنوات طوال يبني فيها الفكر الوطني الصافي والمجرد من “عبادة” الأشخاص والأفكار والمناطق، والمذاهب والأديان، إلى الانتماء الوطني الحقّ الذي يتيح للجميع أن ينهض فيه ويكبر ويحقق أحلامه ويتبادل المحبة مع وطنه وأبناء وطنه من دون ما تمييز أو تفريق.
إنه من غير الممكن، ولا من المنطقي، أن تترك الأمور تجري على أعنتها، وتتراخى المؤسسات الوطنية عن القيام بمهماتها وواجباتها الرامية لبثّ الانتماء الوطني، وتجري تطبيقات عرجاء أحيانا، وعوراء أحياناً، للقوانين، ثم يأتي كائناً من كان ليتباكى على استلام الناس (في أي مكان كان، ومن أي جنسية كانوا) تعليمات أو أفكاراً أو حتى أوامر من خارج الوطن. لأن غياب الأسس التي يقوم عليها أي حكم في العالم، كفيل بأن يترك هذا الفراغ الذي جرى الحديث عنه. لأنه في الأوضاع المثالية، تجد الثوابت الوطنية من يدافعها، ويؤثر عليها، ويحاول الحلول - ولو جزئياً - محلها، فكيف هو الحال في ظل التراخي وغياب البوصلة في تعريف معاني الفكر الوطنية، والروح الوطنية، وفي الممارسة اليوم التي تدعم الشعارات وتقوّيها وتمنحها الحياة؟!  يحق لنا الإشارة بأصابع الاتهام للآخرين، ولكن البكاء لم يُعد حقاً ضائعاً قط.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .