في الصيف الماضي طُلب مني أن أعدّ قائمة من ثلاثين سؤالاً من نوع الأسئلة العامة لطلبة في مستوى الثانوية العامة، ورحت أشحذ الذاكرة والفكر في الأسئلة التي يمكن أن تكون في الثقافة العامة، ووضعت أسئلة من مثل: ما أطول نهر في العالم؟ أين يقع برج بيزا المائل؟ من أول عربي حصل على جائزة نوبل؟ في أي عام وقعت حرب أكتوبر بين العرب و”إسرائيل”؟ وما شابهها من أسئلة. وقبل أن أسلمها للجهة التي طلبت مني هذه القائمة من الأسئلة، فكرت أن أجربها على شاب في سن قريبة من الفئة المستهدفة، فقام بالإجابة على نصف الأسئلة بالضبط، ففغرت فاهي مستغرباً: ألا تعرف بقية الإجابات؟ إنها أسئلة ثقافة عامة؟! فأجابني ببرود صاعق: إنها ثقافتكم أنتم.. أما نحن فثقافتنا مختلفة!
لم يطل بي التفكير لأكتشف صواب ما أجابني به. إنها ثقافة جيلي ومن قبله ومن بعده بقليل، ثقافة قامت على برنامج “سين جيم”، وكتب شريف العلمي، والمسابقات العلمية التي كانت فيها أسئلة ومعلومات تعتبر من البديهيات بالنسبة للسواد الأعظم في تلك الفترة، بل ومن “العار” أحياناً التردد في الإجابة على بعضها، أما اليوم فإن الثقافة مختلفة، ليست أقل من تلك التي حفظناها عن ظهر قلب، وليست بالضرورة تكون ثقافة أقل شأناً، ففي الثقافة لا يوجد ما هو أقل وأدنى، ولكنها ثقافة لا يعرفها من لم يعايش أبناء هذا الجيل، ثقافة تتجه إلى مكونات مختلفة، أدوات متباينة مع ما عرفناه، لها سمات غير تلك التي تقوم على حفظ المعلومات التي نفخر أنها مخزنة في ذاكراتنا، نستعيدها بكل سهولة. ثقافة انبنت على المطارحات الشعرية، ومعرفة شخوص بعينهم في الثقافة، وروايات عُدّت اليوم غارقة في الكلاسيكية وما عاد لها البريق والرونق الذي كان إذ ذاك. صارت أسماء الروائيين العرب مختلفة، ازدادوا اليوم وتوالدوا، وتغيرت المعلومات التي كنا نظنها ذات يوم من قبيل الثوابت. ما عادت “دائرة المعارف البريطانية” أساس من يدّعي الثقافة، لأن “ويكيبيديا” تجاوزتها بعشرات المرات، وهي الأسهل للوصول إليه من قبل باحثي الإنترنت، على الرغم من أنها موسوعة مفتوحة لمن شاء أن يضع فيها ما يشاء من معلومات من دون أن يدقق عليه أحد. بينما صار الغوغل هو المصدر الرئيس للمعلومات والإبحار في عوالم الإنترنت، ونشأ معه مصطلح جديد لم ينشأ مع محركات البحث الذي سبقته، فصارت “الغوغلة” Google it، تعني البحث في غوغل، والبحث في الغوغل يعني انفتاح أهم مصادر المعلومات العامة، والخاصة أيضاً أمام كل من له أغراض في البحث، سواء للتسلية أو لأي موضوع متخصص دقيق، خصوصاً أن هذا المحرك متوجه لرقمنة أهم مكتبات العالم في الولايات المتحدة وبريطانيا بالتحديد، وجعلها مصادر مفتوحة تماماً لمن يريد، بما يعني سيادة اللغة والثقافة الأنجلوسكسونية عالمياً، وهذا الأمر الذي لا نستشعره بالشكل الكبير لأننا ما عدنا نحترم لغتنا الأم، ولكنه مصدر قلق بالنسبة للغات أخرى، كالفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية وغيرها من اللغات التي ستتوارى إلى خلفية المشهد المساهم في الانتشار العلمي، بينما ستخرج لغات خارج المشهد تماماً، حاملة على ظهرها صُرّة ثقافتها الخاصة والمرتبطة بها. لقد أحدثت ثورة المعلومات وادياً سحيقاً بين الأجيال الحالية والسابقة، ربما لن يكون ثمة “صراع أجيال” في المستقبل، بل ربما تحدث بدلاً من ذلك “قطيعة أجيال”. فالصراع يحتاج إلى مساحة مشتركة يتصارع فيها الجيلان: السابق واللاحق، ودائما ما تنتهي الجولات بفوز الجيل الأحدث بفعل الزمن، مع مقاومة شرسة من الجيل الأقدم للتمسك بموروثاته، ولكن اليوم، وربما في الغد القريب إن لم يكن اليوم، سوف تختفي هذه المساحات المشتركة، فكمّ المعلومات ونوعيتها وغزارتها وتغوّلها وسيطرتها وتدفقها وتعدد مصادرها وتعدد مداخلها إلينا، سيغرّب الأجيال عن بعضها، ولن تجد ما يغريها بالتصارع والتدافع من أجل أن يسلم الجيل الأقدم الراية، لمن يأتي بعدهم، عن يدٍ وهم صاغرون.
إنه عالمهم الذي لم يشهد الحرب الباردة، ولا الخطب العربية الرنانة، ولا سلسلة الانكسارات المتوالية الكفيلة بكسر كل ما فينا، لم يسمع عن “الفدائيين” الذين تحولت اليوم مسمياتهم، ولن يوقّر إلى حد التقديس كل أولئك الشخوص وتلكم الرموز الممتدة على انبساط المعمورة، كما كنا نفعل. إنه عالمهم المتسائل عن كل شيء، المتشكك في كل شيء، المحاكِم كل شيء، وليس الآخذ بالمسلّمات كما أخذناها بتساؤلات أقل، وبتفلّت أقل، وربما ثورات أعنف على ما لا يعجبنا. فقد باتت أرض الله واسعة أمامهم، سيسيرون فيها تجاه الثقافات والقيم التي يتشربونها من كل هذا الكم الكبير من الغزو المعرفي والثقافي، من “الدبلوماسية الشعبية” التي تمارس أهم وأكثر الأدوار خطورة على مدى سنوات وبشكل منظم وممنهج وواع من قبل الدول الكبرى، في سبيل بسط ثقافتها على العالم، إنها عولمة الثقافة التي بشرونا بها، تقف وراءها أجهزة الدولة، وأرفع المسؤولين، وتصرف من أجلها الموازنات الضخمة، والبرامج المستمرة لعقود متتالية من دون كلل أو ملل، حتى يقطفوا الثمرات الآن وغداً.
أمامنا طريقان نسلكهما، مؤسسات وشخوصاً، إما أن نستفيق ونقف على أرجلنا كالأمم الحيّة، ونوجد مشروعنا الخاص الذي يجمع للأجيال مزيجاً من ثوابت هذه الأمة مع نوافذ يطل بها، وساحات يتفاعل فيها مع الآخرين من دون أن يفقد هويته ويتماهى في الآخر، ويمّحي؛ وإما أن نفسح المجال تماماً لمن يشاء أن يشكل جيلنا وهويته وقيمه وثوابته ومرتكزاته كما يشاء، لأننا في عجز تام عن أن نأتي بأي بديل.
الطريق الثالث، أكثر صعوبة، وأكثر تدميراً، وهو أن ننغلق تماماً، ونعادي كل ما عدانا، ونعيد إنتاج فلسفة الفسطاطين.