العدد 1910
الإثنين 06 يناير 2014
“داعش” والغبراء غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 06 يناير 2014

منذ أن لمع اسم تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المرموز لها اختصاراً (داعش)، ولا تكاد الأخبار التي تنقل عنه إلا وتزيد القلق على ما يجري في الأراضي السورية التي يدخل الحراك فيها بعد أسابيع قليلة عامه الرابع، مع ما يقارب 140 ألف قتيل من جميع الأطراف، وهي الحصيلة التي لم تتكبدها دمشق في حربها ضد العدو المركزي للأمة في مدة ستٍّ وستين سنة، هي عمر هذا الكيان المحتل منذ 1948، مصداقاً لقول طرفة بن العبد “وظلم ذوي القربى أشدّ مرارةً... على النفس من وقع الحسام المهنّدِ”، فما بالنا وقد تكالب الظلم والسيف معاً من ذوي القربى، إذ من المعروف أن الاقتتال يشتد ويزداد ضراوة كلما كانت هناك علائق تاريخية، ووشائج تربط المتقاتلين.
ولأن لا شيء على الأراضي الساخنة يمكن الوثوق به والاطمئنان إليه بشكل كبير، إلا أن ما يتم تناقله عن هذا الفصيل المقاتل يشكل غالباً صدمة على الصعيد الإنساني الطبيعي. فمن يقوم بالقتل والتعذيب والتمثيل بالجثث ممن يُنسب إلى “داعش” من الصعب عليه أن يقنع كائناً من كان، بأنه ينوي أن يؤسس لدولة بالمعنى الحديث للدول. وحتى بالمعنى القديم، في الوقت الذي عاش فيه عبدالرحمن بن خلدون مثلا (1332-1382م) حينما قال في مقدمته المعروفة عن السياسة بأنها شرعية إذا ما استخدمت في سبيل المصلحة العامة، ووسيلة لإصلاح الأمور الدنيوية التي تنفع العباد في الدنيا، وتضمن لهم النجاة في الآخرة. وقال أيضاً، وهو القاضي المتحدرة أسرته من الأندلس، والذيّ مرّ بأكثر من بلد في شمال إفريقيا “ورئيسهم محتاج إليهم غالباً للعصبية التي بها المدافعة. فكان مضطراً إلى إحسان ملكتهم وترك مراغمتهم لئلا يختل عليه شأن عصبيته، فيكون فيها هلاكه وهلاكهم”. متناسين - عن عمد ولا شك - التطورات العالمية التي لا يمكنها أن تترك لدولة حتى لو أنشئت حديثاً أن تتقوقع داخل نفسها، وأن تعزل كيانها عن الكيان العالمي العام، وأنه بات من المستحيل أن يُترك الوالي يفتك بشعبه يمنة ويسرة على اعتبار أن هذا من الشؤون الداخلية التي لا شأن لأحد بها. إذ إنه اليوم، حتى الأب ذو السلطان المطلق سابقاً في بيته، حتى لو مارس أبشع ألوان العذاب على زوجته وأولاده، لابد وأن يؤخذ على يده ويُحاسب من قبل السلطات المختصة، فكيف هو الحال مع الشعوب برمتها؟! أيُّ دولة هذه التي تبنى على جماجم الموتى وتسقى بدماء القتلى، حتى لو كانوا ألدّ الأعداء؟
والمشكلة في هذا كله أن تسمّي هذه الحركة نفسها بأنها “إسلامية”، بينما المشاهدات التي نراها في الوسائل المختلفة لا تنم عن علاقة إلا بأناس قد درجوا في القتل والتعذيب والموت وغيرها من الوصوفات السيئة تماماً، والتي لا يمكن أن تصدر عن أي شخص يدّعي الإسلام ديناً، والعروبة قومية، بل والأكثر من ذلك، ولا إلى النطاق الإنساني برمته، فلا يفعل الإنسان بأخيه الإنسان ما لا يفعله أدنى الحيوانات الكاسرة رقياً في تلك المملكة.
إن هذا الفكر الذي يدّعي السلفية، أي العودة إلى السلف الصالح، نطالبهم أن يطرحوا من أحل القتل والتمثيل بالجثث من السلف الصالح؟ وهم ليسوا وحدهم في هذا الميدان، لأن الأجواء المتلبدة اليوم بغيوم الشكوك في كل شيء، واليأس من كل شيء، هي التي أفرزت لنا هذه الجماعات المتصاعدة العنف، التي يمكنها صياغة شعارات رنانة ولكنها خاوية من أي معنى، وأحدها إقامة دولة إسلامية في العراق والشام، عن طريق السلاح، في الوقت الذي تتهاوى فيه النظم الأوتوقراطية في كل مكان، أو يجري تهذيبها من الداخل والخارج على السواء، وصولاً إلى دولة مدنية تحترم جميع مكونات الشعب، وتبسط العدل والمساواة في الحقوق والواجبات على الجميع دون النظر إلى أيّ من الانتماءات إلا لكونه إنسان مواطن، ليس أكثر.
أما الجانب الآخر من مسألة “داعش” وتلك التنظيمات المتعددة، والأحزاب المارقة، القائمة على الأساس الطائفي المستند إلى الاحتراب والإقصاء والتفرّد المطلق بالسلطة، وهو أمر يسري على جميع الفرقاء في قبة الأمة العربية (الهلال الخصيب برمّته)، فيعود في الأساس إلى الفشل الذريع للدول هذه في أن تستنبت من أراضيها مشروعها الوطني الخاص الذي يصهر جميع هذه المكونات والتلاوين العرقية والطائفية والأيدلوجية الفكرية، في أتون الوطن الواحد، وتفسير أحلام الجميع تفسيراً يشير إلى صحّة البوصلة الوطنية، وهو أمر ينطبق على جل الدول العربية، ومن ورائها الدول الإسلامية، والتي ما استطاعت عبر أكثر من خمسين عاماً، هي مدة انفلات هذه الأمة من الاستعمار، والذي اتخذت مقاومته طريق عبرته من التحرر إلى السيطرة لمن يحكم، والتمسك بالعرش الذي أزاح عنه سابقه.
إنها نواميس الكون التي لا تني تتكرر: ما من والٍ يزيد القهر والاستبداد والقهر وتضخم المصالح الذاتية، حتى تململ شعبه بما لا يمكن توقعه، وبعد ذلك لابد وأن يلقي باللائمة والاتهامات على العالم بأسره في ما عداه هو. وما أن تنتشر الفوضى، ويدبّ الرعب، وتضعف عرى الدولة، حتى ينشط المتشددون، وذوو المطامع الكامنة الذين يرون في هذه الساحات المبتلاة بالتفكك، الفرصة السانحة لتنفيذ أفكارهم، فبالنظر إلى أرض العراق سابقاً، والشام حالياً، يمكن استخلاص النتائج المهمة جداً، والتي تتمثل في أن الأثمان التي تدفع في سبيل الحرية لا يمكن أن تكون خالصة من أجل الراغبين في التحرك وحسب، ولكنها أيضاً تخرج جماعات بالغة التطرف والغرابة من مخابئها، وتثير شهواتهم، وتطلق لخيالاتهم العنان في ما يحلمون فيه.
ليس عيباً أن يحلم أي شخص، وليس محرّماً عليه الحلم، ولكن ماذا لو حلمنا بالاكتفاء الذاتي، والأمن الغذائي، والثورة المعلوماتية، وتقليص الفجور بيننا وبين الغرب في مئات المجالات المهمة.. بدلاً من الحلم بعدد الرصاصات التي ستطلق في الغد، والأرواح التي ستزهق لتفرش له طرق الوصول إلى مبتغى تكوين الدولة التي لا ندرك منها إلى اليوم سوى الشعار.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية