العدد 1903
الإثنين 30 ديسمبر 2013
2030.. كيف الحال؟ غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 30 ديسمبر 2013

قبل أيام، قرأت مقابلة المصرفي البحريني خالد جناحي التي أجرتها له الزميلة “الأيام” في الخامس عشر من ديسمبر الجاري، والتي نشرت على الصفحة (14) من الصحيفة. وأعدت قراءتها من جديد، وتحديداً ما يخصّ الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030، والتي أطلقها جلالة الملك في شهر أكتوبر من العام 2008.
عندما أعيد شتات الذاكرة، فإنها تقود إلى 13 عاماً مضت تقريباً، وهي الفترة التي تدافع فيها المواطنون للتصويت على ميثاق العمل الوطني (14 فبراير 2001)، والذي صاحبه الكثير من الفرح والتهليل، والبرامج والأغنيات، والهتافات الصادقة والخارجة من أقاصي القلب، والشعور الجميل ببداية عصر جديد، حتى لفتني أحد الأصدقاء إلى نقطة مهمة حينها، قائلا: “هل تعتقد أن هناك أكثر من 5 % من الناس ممن قرأ ميثاق العمل الوطني حقاً؟”.
حينها - وكنت مسؤولاً عن قسم التحقيقات الصحافية في الزميلة “أخبار الخليج” - قررت أن أجري مسحاً لاختبار هذه الفرضية، فتوجهت بسؤال أولي لمن أصادفه في الطريق، أو لمن يدخل الصحيفة متهلل الوجه مغتبطاً، فأسأله: هل قرأت الميثاق؟ فتأتي الإجابات مترددة، متلجلجة، تصحبها تأتأة، فأقرر أن أطلق رصاصة الرحمة على من يقر بقراءته ببعض الأسئلة التفصيلية، فتكون الإجابة أنه قرأ ولكن لا يتذكر بالتحديد، أو سمع من آخرين، أو أنه فقط “مع الخيل يا شقرا”، ويكفي أن الجميع متفائل، فليس من المعقول أن يكون الجميع على خطأ وهو من “يطلع فيها”!
قررت حينها ألا أكون “لئيماً” لأفسد الفرحة، لأن ذلك لن يغير من الأمر شيئاً، وإن كان الهدف هو أن يقرأ الناس ما هم مقدمون عليه، ويقولوا (نعم للميثاق) عن قناعة كاملة وواضحة لا ريب فيها.
الأمر نفسه ينطبق على الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030، والتي لو تم في الحال عمل مسح عليها، سواء من أعالي الهياكل الرسمية والخاصة، نزولاً إلى الناس الذين سمعوا بالرؤية، وتفاعلوا معها، ماذا تعني هذه الرؤية؟ وما الأهداف التفصيلية منها؟ وما دور كل واحد منا فيها؟ وكيف ستنعكس علينا؟ وعلى مَاذا تقوم؟ التنافسية والعدالة والاستدامة؟ ماذا يعني هذا؟ أعتقد عندها أن الإجابات لن تكون كما يشتهي القائمون على الرؤية.
بعد إطلاق الرؤية بوقت قصير، زارني أحد الأصدقاء العاملين في مؤسسة رسمية، ليسأل إن كان من الملائم وضع شعار “الرؤية 2030” على الأوراق الرسمية لمؤسسته، وعلى البطاقات التعريفية للمسؤولين فيها، والمكان الأفضل لوضع الشعار، هل سيكون في أعلى الصفحة، حينها لابد من تغيير التصميم، أم أسفل الصفحة؟ لا.. أسفل الصفحة سيبدو وكأن المؤسسة أهملت “الرؤية”. هل سيكون شعار “الرؤية” بحجم شعار المؤسسة؟ أم أصغر قليلاً؟ يميناً أم شمالاً؟ وغرقنا في التفاصيل، حتى طفا السؤال المسكوت عنه منذ البداية: ما دور المؤسسة في الرؤية؟ فبدا أنه لا يدري تحديداً، ولكنه ينفذ فقط المطلوب منه.
كل المسألة، أن عبارة “الرؤية الاقتصادية للبحرين 2030” تتردد كثيراً، وإن كانت اليوم أقل تردداً منها عمّا كانت عليه بالأمس، فإنها تظل عالقة في مطبوعاتنا الرسمية، وفي خطاباتنا الافتتاحية، وفي ندواتنا العلنية، ولكنها عبارة تحتاج إلى “صيانة” دائمة، وإلى معرفة عميقة.
إن الأنباء التي تتواتر عن وضع البحرين الحالي، وما يمكن أن يكون عليه مستقبلاً، والتنبؤات التي تأتي من أحشاء السيناريوهات المبنية على العلم والمعرفة والتجريب، لا تشير إلى أننا ماضون في طريق ممهد وعلى جانبيه قد زُرعت الزهور. فها هو ذا الدين العام للبحرين ارتفع من 3.8 إلى أكثر من خمسة مليارات دينار مع تزايد المصروفات التي تضغط على الموازنة العامة. وها هي ذي أسعار بعض المحروقات سترتفع، وسترتفع معها أسعار الخدمات، سترتفع أسعار الأسماك والصيد البحري عموماً، وحتى يواجه التجار هذا الارتفاع سيرفعون تباعاً أسعار سلعهم وخدماتهم ومنتجاتهم، و”سيأكلها” من لا خدمة أو إنتاج له. وسيخرج بعض المسؤولين ليفنّدوا ارتفاع الأسعار، وكأنها جريمة وليست واحدة من مكونات وشرائط السوق المفتوحة والتجارة الحرة. وفيما يصرّح وزير العمل جميل حميدان قبل أيام قليلة بأن البطالة في البحرين بلغت 4.1 %، بينما كانت مؤسسة الخليج للاستثمار قد نشرت في سبتمبر 2012 ما يقول أن البطالة في البحرين بلغت 8 %. فإن كانت الوزارة والأطراف الشريكة لها قد استطاعت تحقيق خفض البطالة إلى النصف في سنة تقريباً، فهذا إنجاز يستحق الإشادة، وإما إن كانت هي القصة القديمة المتعلقة بكيفية قراءة الأرقام، فهذا موضوع آخر. لأن الدراسة نفسها تقول إن 28 % من العاطلين في البحرين هم من الذين تتراوح أعمارهم ما بين 19و25 عاماً، أي في الوقت الأفضل لدخول سوق العمل، والعطاء والتدرّج فيه، بدلاً من العطاء في مجالات أخرى!
وحتى لا تكون أحداث 2011 شماعة المشاريع المتعثرة، أو الأمور التي دخلت دهاليز النسيان، فإن الذكرى تنفع حينما نسترجع الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ولا تزال الدول الأكثر تضرراً تقف من بين الدول الثماني الكبار في الاقتصاد، ومن بينها اليابان وألمانيا وفرنسا وإنجلترا، وهي التي دُكت في تلك الحرب دكّاً، فمن العبث أن تحال بعض المشاريع، ومنها الرؤية الاقتصادية إلى شهرين من التوتر على مرارتهما، ليكوناً سبباً في كل هذه العثرات، لأن هذا النوع من الإحالات يكشف بشكل جلي عن هشاشة تعمّ جميع عملياتنا.
عندما وضع خالد جناحي شروطاً لكي تكون الرؤية الاقتصادية 2030 فاعلة وحيّة وليست حبراً على ورق، فإنه يلفت إلى أننا اليوم أتمننا السنوات الخمس الأولى من انطلاقة هذه الرؤية التي وضعت المؤسسات الرسمية للدولة خططاً لها، وهي تعتبر السنوات الأكثر أهمية وحرجاً بالنسبة لأية مؤسسة عندما تصب جميعاً في الخطة الأم، وهي خمسيّة من أربع خمسيات مفترضة للوصول إلى 2030، فتكون الكثير من المبادرات التفصيلية في هذه الأثناء قد وُضعت ونُفذت، وأن الاستدامة قد تحققت، والعدالة قد انبسطت، والتنافسية قد تصاعدت، والبحرين قد انتقلت إلى ما أرادت أن تنتهي إليه رؤيتها... فهل أتممنا خمسنا الأولى على خير؟

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية