العدد 1899
الخميس 26 ديسمبر 2013
سوق اللحمة الوطنية غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 26 ديسمبر 2013

بعدما ثار ما ثار في البحرين، وبعدما صار ما صار في شوارعها ومؤسساتها منذ فبراير 2011، ارتفع واحد من مصطلحات “الأزمة”، وما أكثرها، واتخذ هذه المرة شعار “اللحمة الوطنية”. وهو شعار صار له سوق رائجة، وتداوله المتداولون حدّ الابتذال وإفراغه من معانيه، وتسابق إليه صيّادو الفرص حيثما كانوا، ويا للغرابة، فإن منهم من كان يقطّع هذه “اللحمة”، ويعبث بمعاني “الوطنية” تحت مبررات لا تمسّ العقل والمنطق والتاريخ والعيش والمشترك والامتزاج والتداخل بين مكونات النسيج الوطني، ولكن دائماً ما نقول لعل انتبه ووعى البعض ما قد اقترفت ألسنتهم، وما فعلته أياديهم، فعادوا إلى رشدهم، وفاؤوا إلى ثوابتهم، وقد نكون على حق، وقد نكون من المخطئين؛ لأن عملية غسل العقول التي جرت قبل الأحداث وأثناءها وبعدها، كانت كبيرة، وجعل الحليم حيراناً، وتركت من على الحياد الإيجابي في شك من أنفسهم عظيم وسط تخوين الفريقين لهم وقذفهم بأبشع التهم، إذ ادّعى كل منهما أنه على الحق، وأن من الجبن وعدم الوطنية ومن التفريط في الدين وأمر الله إمساك العصا من المنتصف، والقائمة في هذه التهم تطول.
ولأنها مصطنعة، ونازلة بـ “البارشوت” على الأزمة وما حاق بها، وليست نابعة من طينة هذه الأرض وسبخاتها وملوحتها وكل طيبٍ فيها ورديء، فإن “اللحمة الوطنية” ما لبثت أن توارت، وما عاد لها مكان في القواميس اليومية للمتاجرين بها، ولا أيضاً لدى المتعاملين بها عن صدق وصفاء نية، ورغبة خالصة إلا من عودة الوطن إلى الوطن.
مريم فخرو، التي لا أعرفها إلا من خلال الانستغرام، لفتتني صورها في بداية هذا الأسبوع، وهي تنشر عن “سوق المزارعين”، هذا المشروع الجميل الذي لم تقدّر لي زيارته حتى الآن منذ انطلاقه في العام الماضي، فقد رأت ما لم يره الكثير من الذين طنطنوا وشنشوا في “اللحمة الوطنية”، والذين أثروا من خلالها، والذين توظفوا من أجل ترسيخها أو إعادتها، والذين أصابوا الشهرة بسببها. فمريم فخرو كانت تكتب بكل بساطة ووضوح وبحسّ وطني ممتد ومتأصل ومتجذر في آل فخرو الكرام كما هو الحال في الكثير من الأسر والعوائل البحرينية ذات العمق في مواقفها المنحازة للوطن لا غيره ولا لجزء منه، تأتي مريم فخرو لتعلق على بعض الصور إن “سوق المزارعين تجسيد للوحدة الوطنية”. إذ ترى الناس أشكالاً وأجناساً يأتون إليه كل يوم سبت منذ الصباح الباكر، لا ليشتروا بعض الخضار الطازجة وحسب، ليست لأنها ربما أقل ثمناً مما هو مطروح بالقرب من بيوتهم أو في الأسواق وحسب، وربما لا يتم الالتفات إلى هذه النقاط من الأساس، ربما يأتون للفرجة، ربما يأتون للتنزه، ربما لتناول الفطور في أجواء مختلفة وبأياد بحرينية، ربما يريدون أن يغضوا الطرف عن أي تقصير في ما يقدّم لهم ليشجعوا من أنشأ مشروعه الصغير... إنه بكل بساطة “سوق”، مكان يلتقي فيه الناس بكل عفوية ممكنة، يشترون، يبيعون، يتجادلون، يساومون، يبتسمون، يضحكون، يتبادلون اليومي والاعتيادي من الأمور.
إنها المشتركات التي لا غنى للناس عنها، فلا غنى للناس عن الناس في أي مجتمع صحّي أو حتى مصاب بالزكام الوطني، فما بالكم وهم يتصاهرون، ويتناسلون أخلاطاً من البحرينيين المتناصفي الانتماء المذهبي، بعضهم لا يدري أي سلك في الصلاة يأخذ إذ يرفع قلبه إلى السماء، أليسوا هم من يعملون مع بعضهم البعض، ويتعاملون، يُفسحون لبعضهم السير في الشوارع والطرقات، يتجاورون في المكاتب والمصانع، يتناولون مع بعضهم غداء العمل البسيط، تكاد الظهور تتلاصق بالظهور في المقاهي الشعبية، يعلقون ساخرين على لهجاتهم المتباينة، فيعرفون ما لا يعرفه المستجدّون من أين تأتي الكلمات وطرائق النطق بها، يشبّهون على أحدهم أنه من البيت الفلاني لأنه يحمل الملامح ذاتها، أنف فلان، أو فم فلان، يشكلون فريقاً أو ينتمون إلى فريق، ويحضنون بعضهم إن سجلوا هدفاً، وينخرطون في بكاء جماعي إن خسروا مباراة، أليست هذه الوحدة الوطنية، واللحمة الوطنية بكل معانيها وأشملها وأجملها وأكثرها عفوية وقرباً إلى القلب، وامتزاجاً بالروح؟ أليست هذه الطبيعية واليومية العابرة والعادية، هذا التسابق لفتح الباب للآخر دون أن تدري من يكون وما لون انتمائه أو معتقده أو مذهبه أو خطّه السياسي، أجدى من عشرات البرامج التي “فقعت” بيننا كالفطر، من أناس بعضهم ما عاش بين الناس، مصممة بعضها بأيادٍ قلما صافحت الاعتياديين من الناس، وكلها تقول “أحبوا بعضكم” و”التحموا” حتى تؤتي هذه البرامج جدواها وتحقق مآربها؟!
سابقونا قالوا “الهوى بالكيف.. مو بالسيف”، والسيف هنا سبق العذل والملامة والعتاب، ويبقى “الهوى” الذي لا يمكن “تكييفه” وتعليبه وبيعه وترويجه بالبرامج المصطنعة، إذ نجح سوق صغير ومن خلفه عاملون أعرفهم بأسمائهم وحسب، في أن يكنسوا كل البرامج المفبركة. هناك لا توجد مجوهرات، ولا بدلات أنيقة، ولا بشوت، ولا المباخر يرتفع دخانها، ولا رسميات ولا منابر أو صفوف أمامية محجوزة، بل مزروعات بحرينية بأيد بحرينية وبعض الأطعمة، وفضاء عام جامع يلتقي فيه الناس بعد أن عزّت الفضاءات العامة، وصار التخندق والتقوقع هما السمة الغالبة على السواد الأعظم من الناس، فهم - وإن كثروا - في خندق مع من يشبههم ويشبهونه فقط. هنا لا دخل للسياسة، ولا المعارضة ولا الموالاة ولا الحوار يأتي ولا البرلمان يتدخل، ولا الزعيم، ولا الوزير، ولا الرمز ولا الغمز واللمز، بل هنا البحريني نفسه.. وهل هذا كثير؟
“سوق المزارعين” لمن أراد “اللحمة”، نموذج ناجح في هذا السبيل، لو أقيم مثله في المحافظات كلها، وبموضوعات متنوعة جاذبة، بسيطة لا تكلف ولا تصنّع فيها، لو تجرأت المؤسسات ونظرت بعض الشيء إلى المستقبل، لما توانت عن بذل كل ما أمكنها وهي ترى أن إعادة البحرين للبحرين هو رصّ أحجار الطريق لمستقبلها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .