من النوادر التي نرددها ضاحكين، أن الناس هنا في منتصف القرن العشرين، كانوا يذهبون إلى السينما ليلياً تقريباً، إذ لم تكن في تلك الأيام لديهم وسائل تسلية، ولكنهم يشاهدون الفيلم نفسه “عنتر وعبلة”، فيخرج بعضهم بعد انتهاء الفيلم متحمساً منتشياً ليقول لأصحابه “الليلة، عنتر قتل أناساً أكثر من البارحة”!
هذا الشعور الذي انتابني وأنا أقرأ كتاب رياض نجيب الريس قبل عدة سنوات “وثائق الخليج العربي: طموحات الوحدة وهموم الاستقلال”، والذي يحكي قصة الاتحاد التساعي الذي كاد أن يتم بعدما أعلنت بريطانيا في أواخر ستينات القرن الماضي نيتها الانسحاب من شرق قناة السويس، أي منطقة الخليج العربي بالتحديد، إذ كانت تربطها مع معظم إمارات هذا الساحل (الساحل المتصالح كما كان يطلق عليه)، معاهدات حماية، سيطرت خلالها بريطانيا على الأمور في المنطقة، واستخدمت القوة، والقوة المفرطة أحياناً، ولكنها – إلى جانب الأفعال المخزية لها ولتاريخها قد قامت بأفعال حسنة، ومنها منع تجارة الرقيق – كانت أيضاً تقوم بنهب الخيرات الشحيحة في المنطقة، وتؤمّن الممرات المائية التي تصبّ في صالح سيطرتها على البحار لتأمين طرقاً سالكة لأساطيل إمبراطوريتها.
فمع العلم بما آل إليه الحراك التساعي (البحرين، قطر، أبوظبي، دبي، الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين، والفجيرة)، والتدخلات الخارجية التي أجهضته، والمناكفة الداخلية التي خلخلته، مع كل هذا، كنت آمل أن أقرأ شيئاً مخالفاً في صفحات هذا الكتاب، والذي هو مضابط الاجتماعات للاتحاد الذي لم يتم، وتم الاكتفاء بالإمارات العربية المتحدة، كأنجح أنواع الاتحادات العربية، وأكثرها استمراراً، في حين لم تدم أي وحدة عربية سوى سنوات قليلة، أو أشهر معلومات، كما أن بعضها كان مجرد إعلان في مكبرات الصوت، وانتهى بانتهاء الخطب، كما هو الحال بوحدة الزعيم الليبي السابق معمر القذافي مع سورية في أواخر سبعينات القرن الماضي. كنت كمن كان يخرج من فيلم عنتر، أريد أن أمنّي النفس بأنني كنت في غفلة من التاريخ وأن الوحدة قد تمّت فعلاً، وأن أمراء الإمارات استقروا على رأي، وأنهم تجاوزوا الصعوبات، وأشاحوا النظر عن الخلافات.
هو السؤال نفسه الذي لا بد وأن راود كثير منا ممن يهتمون بشأن الوحدة الخليجية، أو الوحدة العربية على مجال أوسع: ماذا كان حالنا اليوم لو تم هذا الاتحاد قبل 42 عاماً؟
كانت هذه الإمارات الصغيرة اليوم دولة مساحتها الإجمالية 83.3 كيلومترا مربعا، مساحات شاسعة تكفي لأن تستوعب أكثر من ثلاثة أضعاف عدد سكان هذه (الإمارات التسع كما هو مسجل حالياً)، تزخر بتنوعها البحري والصحراوي، والسهلي والجبلي، والمناطق المسطحة والسبخات، والمناطق الزراعية، فلا يمكن أن تكون هناك مساحات جغرافية محدودة، ولا مناطق تعزّ على أحد، ولا مشاريع مستحيلة، ولا اكتظاظ عمراني، موانئ متنوعة، قادرة على أن تكون مخزن العالم بموقعها الجغرافي المتوسط بين القارات.
أما السكان، المواطنون والأجانب، فكانوا سيصبحون 11 مليوناً و200 ألف نسمة تقريباً، أي ما يساوي عدد سكان بلجيكا، أو ما يساوي مجموع سكان مدينة القاهرة إن أتوا صباحاً إلى أعمالهم، فيمكن استيعابهم في هذه المساحة بكل ارتياح. ثقافات متنوعة من التراث في بلد واحد، البر والبحر يضجّان بالشعر والموسيقى والتاريخ والقصص والأساطير، زخم كبير للمواطن الذي يشعر أنه منتم بكل هذه التلاوين من الموازييك العربي الموحّد في شكله الخليجي.
عندها سيكون الناتج الإجمالي المحلي لهذه الدولة 541.1 مليار دولار سنوياً، تقريباً، وهذا ما يفوق الناتج الإجمالي المحلي لسويسرا الذي قدّره البنك الدولي في 2007 بحوالي 500 مليار دولار. ويكون مجموع التجارة الخارجية لهذا “البلد” الموحد 538 مليار دولار، يصدّر بضائع ومنتجات بقيمة 336.8 مليار دولار، ويستورد بما قيمته 201.2 مليار. بلدٌ احتياطه من النفط 102.2 مليار برميل، واحتياطه من الغاز 1125.1 تريليون قدم مكعب، أيُّ قوّة ومقدرة ستكون له عندئذ، وأي قدرة تفاوضية، وأي استقطابات سيمكنه من أن يقوم بها، وأي بنية تحتية باستطاعته أن ينجزها، وأي تأثير سياسي يمكنه أن يمارسه، وأي تعليم متقدم ومتجدد سيوفره لمواطنيه، وأي صحة سينشرها على أراضيه، وأي إمكانيات وطاقات يمكنه أن يختزنها، وأي حضور عالمي بإمكانه أن يحققه.
إن هذه الأرقام لا تعني الكثير في السياق العالمي، فهناك كثير من دول العالم أغنى بمراحل من مجلس التعاون الخليجي مجتمعة، وفي مقدمتها الدول الثماني الكبرى، والدول المتقدمة التي استثمرت كثيراً في التعليم، وفي انضباط النظم التي مكنتها من أن تتحول من دول ناهضة إلى دول متقدمة، ولنا في كوريا وماليزيا وسنغافورة أسوة حسنة. ومع ذلك، فإن تجمّع أسباب النهوض المتمثلة في توفر الموارد والعمق الجغرافي، والسكان، سيحتاج إلى إرادة حقيقية لإدارته حتى يمكن أن يكون لهذه الدولة الاتحادية كلمة أثقل مما هي عليه الآن، مجزّأة إلى ثلاث دول. ولكان اتحادها مع ثلاث دول أخرى (الكويت والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان) أكثر سهولة ويسراً من إدارة الرأي بين ست دول، وحينها يمكن إعادة الحسابات السابقة، جغرافياً وديموغرافياً واقتصادياً وسياسياً، لأن المعادلة ستتغير ولا شك، كما ستتغير حسابات الدول والكتل إزاء هذه الكتلة الجديدة ذات الأهمية المتعددة الإشعاعات.
سنظل نقول “أن يأتي (الاتحاد) متأخراً خيراً من أن لا يأتي”، لأنه منذ انطلاق الاجتماعات الأولى لمجلس التعاون ونحن نتتبع القرارات لعل فيها ما يشير إلى هذا الموضوع، ولكننا نرجع خائبين، فليس في كل تأخير خيرا، فموازين القوى منذ 1981 إلى اليوم قد تبدّلت، وانتهت قوى من على وجه الأرض، وبرزت قوى أخرى، ومرّ علينا كثير من الأزمات، وكنا على حوافّ حروب في المنطقة، ونهضت دول، ونامت دول، ولاحت فرص، وتلاشت فرص، ونحن نتسابق مع بعضنا إلى شيء من المكاسب المتناثرة المتطايرة من كل هذا، ونعلم جيداً أن لو تحركت شبه الجزيرة العربية بأكملها لكان لها من الثقل والقوة ما ليس لأيٍّ من دولها على انفراده.
أرجو ألا نطلّ على القمة المقبلة كما أطلّ متفرجو فيلم “عنتر وعبلة” متوهّمين أننا نقترب من التكتل، ونحن لسنا كذلك.