في إحدى الصحف التي عملت فيها خلال مشواري في هذا المجال، استطعنا أن نبني واجهة لهذه الصحيفة هي “المهنية”، وراج هذا الوصف للصحيفة، وصار الناس لا يذكرون اسمها إلا وتغنّوا بمهنيتها وحرفيتها. وهذا الأمر لم يتم بناؤه بين يوم وليلة، ولكن تم التعب والنصب من أجل الوصول إلى هذه الصفة الملازمة للصحيفة، وبرهنت الصحيفة في غير موضع عن التزامها “المهنية” و”الحرفية” من خلال جملة من الأعمال التي قدّمتها لقرائها. واستمرت الصحيفة حاملة هذه السمعة بالرغم من اختراق بعض عناصرها للمهنية، وتقديم أعمال لا تقترب من المهنية بأي سبب، ولكن الأمر مقضي، والناس/القراء لا يريدون أن يصدقوا إلا بمهنية هذه الصحيفة وحرفيتها العالية واحترامها لقواعد العمل الصحافي، والتصاقها بالقواعد والأسس الرفيعة لتنفيذ الأخبار والتحقيقات والمقابلات والملفات وغيرها.
مثل هذه الصحيفة، مثل الإنسان – في أي موقع كان، وفي أي منصب حلّ - لديه رأس مال يبنيه بالكثير من الجهد والنصب والتعب، ويبقى لازماً له، يسبقه، يعبّر عنه، ولكن قد يحدث أن يتآكل رأس المال هذا، وقد ينكمش، وربما ينتهي إذا ما تم التفريط به. رأس المال هذا أبعد وأهم وأعلى وأثمن من الأموال وأوراق البنكنوت والذهب، وأبقى وأرسخ من العقارات بكل أشكالها... إنه السمعة.
والسُّمعة، من حيث المعنى اللفظي هو ما يُسمع، أو يسمعه الناس، ويسمعون به. ويقال إن ما يفعله فلان هو سُمعة ورياء، أي لكي يُسمع ويُرى. وجميل جداً أن يُعرف المرء بالسمعة الحسنة، لأنه إن عُرف بضدّ الحَسَن، وأراد أن يثبت العكس عليه أن يفعل الكثير والكثير، وبشكل مستمر حتى يتم محو الصورة الذهنية عن هذا الرجل، أو عن هذه المؤسسة، حتى يمكن أن تخلو ساحته من أية معكرات، ويمكن من بعد ذلك أن يفكر الناس في الإقبال على التعامل مع الرجل أو المؤسسة، بشيء من التردد والتوجّس، ريثما يطمئنون إليه، وهو في كل هذا ينفق المزيد من الوقت والجهد وربما المال من أجل تحسين سمعته، وتلميعها، والذبّ عنها، ونقلها من القوائم السيئة إلى القوائم الحسنة، وسينفق الكثير أيضاً للحفاظ عليها في المكانة نفسها.
وما ينطبق على الأفراد ينطبق على البلاد، وما ينطبق على السند والهند وبلاد ما بين النهرين، ينطبق على كوريا وليبيا ومملكة البحرين. وعند البحرين سيطيب لنا الوقوف بعض الشيء لأنها أساس حديثنا. فالبحرين تتعرض اليوم لتآكل سمعتها الحسنة على أكثر من صعيد، وسأقف عن صعيدين اثنين لنستبين ما الذي نخسره، ونتساءل ما إذا ما كانت هناك خطة لتجاوزه والرجوع به إلى سابق العهد.
الأمر الأول الذي تآكلت فيه سمعة البحرين هو التعليم العالي، وهو ما يخص عددا من الجامعات الخاصة التي انهال عليها الناس من الداخل والخارج، والتي استثمرت حاجة كثير من طلاب الدول المجاورة لتلك الشهادة/الورقة التي تعلق على الحائط حتى ينالوا الترقية في وظائفهم. ويمكن القول إن الطلبة والجامعات المعنية تواطأوا على الاستفادة المتبادلة، فيدفع الطالب مبالغ وقدرها، وتسلمه الجامعة شهادة متواضع قدرها. ثم تنتفض الجهات المعنية وتشير إلى أهمية أن توقف هذه الممارسات، فلقد بلغ السيل الزبى، والجهات الخارجية في الدول الخليجية باتت تتذمر، والصحف الخليجية تكتظ بالمقالات والقصص عن “الجامعات البحرينية”، و”التعليم العالي في البحرين”، وكثير من العبارات التي يندى لها الجبين، بل ويدمى لها القلب لأنها تقال على مرأى منا ومسمع من دون أن تكون لدينا القدرة على أن نصدّ هذا السيل العرم عن بلادنا وسمعتها في مجال التعليم، والتعليم العالي بالذات، لأن الراجح من العقول، والراسخون في العلم يعرفون حق المعرفة أن كل ما قيل بشأن تلك الجامعات (أؤكد أن ليس جميعها بالتأكيد) صحيح، بدليل كثرة الشاكين، من داخل البحرين ومن خارجها، وليس من المعقول أن يتواطأوا على الكذب، إذ لا مصلحة لهم في ذلك. وعززت تقارير الهيئة الوطنية للمؤهلات وضمان جودة التعليم والتدريب ما ذهبت إليه الأقاويل والشكاوى، ولا تزال - إلى الأمس القريب – ذيول هذه القضية تتفاعل في وسائل الإعلام المختلفة، محلياً وخليجياً، حتى باتت البحرين – وللأسف الشديد، ومن دون التحسس، وبهدف النقد الذاتي بغية التوصل إلى حلول أبعد من تلميع الواجهات – موسومة بالسمعة السيئة في التعليم العالي. فما الحلول المنقذة من هذا التردي؟ وكم سيكلف هذا من وقت جديد، وجهد جهيد من أجل استعادة ما ضاع وتبدد؟.
أما السمعة الأخرى التي تآكلت، فهي الصناعة المالية والمصرفية، وهي السمعة التي بنتها البحرين من قمة الهرم إلى قاعدته عبر عقود متعاقبة، ورجالات من الطراز الرفيع في العمل المصرفي، وقوانين صارمة، ورقابة متميزة على المصارف وأعمالها، حتى باتت هذه الجزيرة الصغيرة مركز الجذب الإقليمي للمصارف، التقليدية منها والإسلامية، وصارت المحطة الأفضل لمن أراد أن ينشئ مصرفاً، أو يفتح فرعاً. ولكننا نفاجأ في وقت الطفرة الثانية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بأسماء من المغامرين تخرج من الصفوف الثانية والثالثة من العمل المصرفي، وبقدرات إقناع ذاتية، مع وفرة مالية عالية من مستثمرين محليين في بعض الأحيان وخليجيين في أحايين كثيرة، ومع الخوف والخشية من بقاء الأموال في مصارف الدول الغربية خصوصاً بعد هجمات التاسع من سبتمبر، قد أودعوا أموالهم في مصارف استثمارية اتخذت من المملكة مقرات لها، ولكن النتائج لم تكن بما تمناه المستثمرون، الذين أمنوا أموالهم هنا على أمل تنميتها ومساهمتها في مشاريع مدرّة.
المسألة المصرفية لا تتلعق بالأزمة العالمية، إذ لم تكن هذه الأزمة بالنسبة لنا إلا الريح التي كشفت بالبساط فانكشف ما تحته. إذ سبق لمصرفيين محنكين هنا التحذير سرّاً من “اللعبة الكبيرة” التي تجري، ولكن الناس كانوا يقولون إن الأمر لا يعود حسداً، لأن التقليديين لم يتوصلوا عبر العقود الطويلة من العمل المصرفي إلى ما توصل إليه الشباب. وتثبت الأيام أن جمعاً من هذه المصارف ما هي إلا واجهات خاوية، لأموال تم تبديدها، والقضايا اليوم ترنّ في المحاكم.
إن أخبار قضايا الرشوة والفساد وغيرها ملفات أخبار الدول المتقدمة والكبرى، ولكن قوتها وهديرها يمكن أن يغطي على تلك الأخبار، ولكن بالنسبة لدولة صغيرة فإن سمعتها هي الأهم خصوصاً أنها تعتمد على الخدمات، فمتى ما تآكلت هذه السمعة، فلا يمكن معرفة إلى أين يمكن أن يتجه الاقتصاد المحلي مستقبلاً.