أعجبتني عناوين المحاور والجلسات الأربع التي سيتضمنها “الملتقى الإعلامي الخليجي الأول” المقرر انطلاقه يوم الاثنين المقبل. ومع إشفاق خاص من تجارب بحرينية عديدة لملتقيات ومهرجانات على صعد مختلفة بدأت بـ “الأول” وانتهت عنده، حيث لم تتكرر الكثير منها، وكأنها لم تكن توجها استراتيجياً من قبل المنظمين، وإنما هي مجرد “طربة” وانتهت، ولكننا نأمل أن تتواصل أعمال هذا الملتقى لسنين عديدة، لأنه يتناول موضوعاً من أهم وأخطر المواضيع التي تصنع الرأي العام اليوم، الذي لم يعد حكراً على الأجهزة الرسمية ذات الإيقاع نفسه الذي لم يتغير منذ أربعة عقود في المنطقة تقريباً، إلا بدخول بعض الشكليات عليه. فكما التحولات الكبرى التي شهدتها بداية ظهور الحاسوب في العام 1946 عندما تم إنتاج الجيل الأول من الحواسيب التي يزن الواحد منها 30 طنا، ويلزم تحريكه طائرة شحن من مكان إلى آخر، وانتهى اليوم لأن يكون أفضل بكثير، وأخف بكثير، وصار في الهواتف الجوالة بين أصابع عشرات الملايين من البشر، بعد أن كان حكراً على أناس متخصصين ومهندسين، وتقنيين ذوي مهارات عالية؛ كذلك وسائل النشر الإعلامي اليوم لم تعد تلك المباني الرسمية المسّورة بالأسلاك الشائكة، والتي ينتشر حولها الحرس، وعلى الداخل أن يمر من بوابة على إثر بوابة، ويعرّف نفسه بعد كل مجموعة من الأمتار خشية أن يتسلل أحدهم ويعبث بالإرسال ويبث “البيان الأول”... فإن مفهوم “المواطن الصحافي” بات هو السائد اليوم، وهو الأمر الآخذ في الانتشار، بل هو ما أجبر الوسائل الإعلامية التقليدية على أن تسرّع خطواتها إن كان لها قلب وألقت السمع وأمعنت البصر في التحولات العميقة التي تجري حولها. وصار “البيان الأول” اليوم يتشابه مع البيان الألف، فكلٌّ يستطيع أن يقول ما يشاء، وينشئ محطات إلكترونية يزوّدها بما يمكن أن يعبّر فيه عن وجهات نظره، وهناك في المقابل قوانين يمكنها أن تجيز أو تحجب هذه المواقع متى ما اصطدمت مع المحظور من المواد.
المواضيع الأربعة التي سيتضمنها الملتقى هي: وسائل الإعلام بين الحق في ممارسة المهنة وحدودها في الالتزام بالحفاظ على الأمن القومي، ووسائل التواصل الاجتماعي بين حرية الرأي والتعبير والحفاظ على الأمن القومي، والمحتوى الإلكتروني في وسائل التواصل الاجتماعي، وأخيراً، التشريعات الإعلامية بين ضمان حرية الرأي والتعبير والحفاظ على الأمن القومي. والمحاور أو العناوين التي اختيرت في هذه الجلسات تتكرر في ثلاث منها المنطقة الوسطى لحَدَّين، وذلك بتكرار كلمة “بين” التي تبين الحيرة الكبرى التي لا يزال يعيشها المجتمع الإعلامي بأشكاله المختلفة، وعلاقاته المرتبكة مع المفاهيم الأساسية للأمن القومي (كما تتكرر في المحاور).
أما سبب إعجابي بالمحاور، وبعدد من المدعوّين إلى الحديث فيها فيرجع لسبب بسيط وهو “التكرار”. إذ إن هذه المحاور، وعلى مدى العامين الماضيين قد قتلت بحثاً وحفراً وتفكيكاً وتفتيتاً، خصوصاً مع بروز الأهمية الكبرى لوسائل التواصل الاجتماعي في “الربيع العربي” سواء في الدول التي نجحت فيها الحراكات أو التي فشلت، وفي الحالتين كان هناك خروج طبيعي أحياناً وغير طبيعي أحايين، عن النسق الطبيعي للتواصل الإعلامي، ويكفي أن نتذكر فقط قبل هبوب هذه الرياح بأشهر بسيطة ماذا كنا نكتب ونقرأ على هذه الوسائل، وكم كان محيطنا من الأشخاص الافتراضيين، وكم غدوا من انتصاف العام 2011 وما تلاه، وماذا بدأت الكثرة تكتب وتنشر وتنقل وتتواصل. والتكرار بحد ذاته يعني أمرين: الأول، أن هناك “مشكلة” وتحتاج إلى حل، وإلا لما عقدت هذه المؤتمرات والملتقيات والندوات والحلقات النقاشية وغيرها، تحت عناوين وشعارات متبانية المظاهر، ومتطابقة الجواهر. وهذه المشكلة مقلقة بشكل كبير لتستدعي هذا الاهتمام والتنادي من أجل عقد هذه الملتقيات وتدارس حقيقة الوضع.
أما الأمر الثاني، وهو ربما يكون مؤسفاً للبعض، ومفرحاً للبعض الآخر، يشير إلى أن تكرار هذه الملتقيات الباحثة في الشأن الإعلامي نفسه تقريباً وإن باختلافات طفيفة في العناوين والشخوص، لم تأت بالنتائج المرجوة لعدد من الأسباب، إما لأنها كانت مخملية أكثر من اللازم، فهي تعقد في الفنادق الفخمة، بين من تعالج قضاياهم يعيشون في بيئات بعيدة عن هذه الاجتماعات فلا تؤثر فيهم، ولا يُدعون كمتحدثين أو مساهمين أو مناقشين، وبالتالي فإن أحد الفريقين لا يسمع الآخر، ولا يحفل به ربما. وإما لأنها غير واقعية لأنها كانت عبارة عن تدبيج للعبارات والشعارات ليس أكثر. وإما لأنها – كالكثرة المتكاثرة من مؤتمراتنا العربية (وجميع أشكال الجلوس إلى الطاولات والمايكرفونات) تبدأ بطرح الأوراق، وتنتهي بالتصفيق والتكريم، وكفى الله المشاركين والمنظمين المؤونة، وتعب تحويل الأخبار إلى عمل يومي بنفس طويل ولعلّ شيئاً يتحقق يجري تقديمه في الملتقيات التالية كإنجاز وثمرة لما انتهى إليه الوضع الأول.
وأما الذين يفرحون لعدم تحقق شيء يذكر في هذه الأصعدة، فهم في الغالب “تجّار الكوارث” والطفيليون الذين يتمنون ألا تنتهي ولا تتراجع المشاكل، حتى يستمر عقد هذه الندوات والملتقيات والفعاليات، لأن هناك استفادات متنوعة جراء تكرار الفعاليات، و”عسى ما تنقطع العادة”!.
إن وضع عناوين ومحاور لملتقى ما يحتاج إلى جهد ذهني، والتفاهم مع المتحدثين يحتاج إلى شبكة اتصالات ومعارف جيدة، والتنظيم للفعالية يحتاج إلى خبرة إدارية ومجهود بدني لضمان راحة الضيوف، وحصول المشاركين على أوراق العمل، وترتيب سفرهم وإقامتهم وبرامجهم اليومية وضبط أوراق المتحدثين وأن يخرج الجميع من الفعالية راضٍ عنها لم ينقصه شيء، بل ربما زادت معارفه الفكرية، ومعارفه بالأشخاص، وكل هذا أمر حسن. ولكن الأهم ألا ينفضّ السامر كما التأم شمله إلا وقد أصدر خطط عمل لما يتوصل إليه، فلقد شبعنا توصيات يطلقها المجتمعون في الهواء فلا أحد يمد إليها يداً لتلقفها. ولا أظن رئيس اللجنة المنظمة للملتقى الأخ يوسف محمد، لتفوته الجوانب العملية التي تعقب الملتقى حتى يمكن أن نأتي إلى الملتقى الثاني متجاوزين بعضاً من هذه العناوين لأن هنك عملا جادا ومبرمجا وواضحا ومنظما ودؤوبا ذهب إلى دحر الجوانب السلبية التي سيناقشها الحاضرون.