العدد 1759
الخميس 08 أغسطس 2013
وعيدٌ جديد... الله لا يغيّر علينا غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 08 أغسطس 2013

 ليس بدعاً أن يأتي عيدٌ جديد بعد شهر الصيام والقيام، الذي فاز فيه من فاز، وخسر فيه من خسر. مع ملاحظة قديمة مفادها أن غير الصائمين فرحتهم بالعيد أعظم، واحتفالاتهم بالعيد أكثر بهجة وألقاً، ولكن هذا لا يغيّر في العيد شيئاً، فالناس كعادتهم قد درجوا على “التحلطم” على كل شيء، على العيد، والتعب والمصاريف والثياب التي تزداد أسعارها، وتندر جودتها، و”العيادي” التي تزداد سنوياً بازدياد أفراد الأسر، بينما الحال كما هي عليه منذ سنوات، والزيادات، على شحّها وبساطتها، تأكلها الأسعار التي لا تقف عند حد، وفي الحقيقة تأكلها في الغالب الأعم الرغبات الاستهلاكية العالية لدى الناس، وإعلاء مقولة “اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب”، و”الغيب” لا يمطر أموالاً وذهباً من السماء، ولكنه في الغالب يفتح الباب على المصارف التي يتحلب ريقها هذه الأيام لأمرين: الأموال (وإن صغرت أحياناً) للودائع التي ستنعش حسابات الادخار للصغار.

ومن ناحية أخرى إقبال أرباب كثير من الأسر للاقتراض من أجل سدّ مستلزمات بقية الشهر الذي لن ينتهي إلا والمدارس فاتحة أفواهها، العامة منها والخاصة... وخصوصاً الخاصة، من أجل مستلزمات العودة للمدارس، وأعان الله أرباب الأسر على متطلبات هذا الجيل الذي تأتي فيه متطلباتهم للتباهي في المدارس سابقة بكثير، وفي كثير من الأحيان، النتائج الفعلية في التحصيل العلمي، فهناك استعراضات لا تنتهي بحسب المقولة الشهيرة بأن “الماركات، خدعة أطلقها أصحاب المصانع لاقتناص أموال الأغنياء، فصدّقها الفقراء”.

عيدٌ جديد يأتينا، والوطن العربي، ليس أفضل حال على كل الأصعدة، ودائماً الأمس الذي كنا نشكو منه، نأتي في العيد لنترحّم عليه، فبالأمس وأول من أمس، كانت سوريا وحدها التي تعاني عربياً – وبشكل واضح وقوي ومؤلم – من جميع المواسم، الحر والبرد والمدارس والأعياد، وحتى الأيام العادية، فكل يومٍ يمرّ من دون أمن، بل تملأ سماءه القذائف وراجمات الصواريخ ورائحة البارود المضمّخة بالسلاح الكيماوي الذي يلقي كل طرف على الآخر مسؤولية استخدامه.

واليوم تنضم إليها قلب الوطن ونبضه، مصر، التي يتواجه فيها فريقان كانا يقولان قبل أشهر قليلة أن الدم المصري غال، ولن يسيل في الشوارع من أجل خلاف سياسي، ولكن ما يشهده العالم اليوم قد تجاوز الخلاف السياسي حتى اقترب من الخلاف العقائدي، بل صارت معركة وجود، وصارت الانتماءات الفرعية للتيارات والجماعات أعلى من الانتماء للبلاد، وخرجت أسلحة من مخازنها، وتوارى الإسلام خجلاً إذ بات جلباباً يرتديه الجميع، وباسمه “يستشهدون”، ولا ندري أي القتيلين في الجنة وأيّهما في النار. وكعادة الأطراف، اصطفّ كل فريق هنا وهناك مع ما يجري في مصر، فتتم إدارة حرب فاترة تأييداً وتفنيداً اليوم عبر الوسائل الاتصالية والإعلامية، وسترك اللهم مما يمكن أن يحدث في الغد إن انفلق المشهد العام عن تحولات أكثر عنفاً ودموية مما يجري، فهكذا تتدحرج القصص في الغالب، وتبدأ بعد حين صعوبة عدّ الضحايا، وتغدو الأرقام في نشرات الأخبار لا معنى لها، وكأن من ماتوا ليسوا إلا أسراب ذباب... هل نتذكر كيف بدأ الأمر في سورية وكيف انتهى بنا الحال؟!

وليس حال تونس سارٌّ لمحبيها، وشوارعها تغلي إثر الاغتيالات المنتقاة والتي من شأنها بلبلة الوضع وتهييج الناس. وإذا عادت الأخبار الليبية إلى سابق عهدها من التواري خلف الأحداث الأكثر تأثيراً ودراماتيكية، فإن وضع اليمن صار كذلك اليوم، حيث اختفى الناس من الساحات العامة، والتفتوا إلى مشاكل أكبر وأعقد في مجتمع تفتّ فيه المجاعة ويأكله القات. بينما الصومال المنسي يعيش عزلته الأبدية، فمنذ بداية التسعينات والدم لا يجفّ ولا ينشف من هذا البلد، ولا أحد يلتفت إليه وقد تركته جامعة الدول العربية نهباً للمطامع الإفريقية، ولشباب يدّعون الإسلام ليعيثوا فيه خراباً ودماراً أعجب من سيقوم بإصلاحه، وأي “مارشال” سيعنى بأمر هذا البلد الذي لا أهمية عالمية له إلا من جهة القراصنة الجدد الذين يهددون مضيق باب المندب، والاهتمام العالمي هو نفسه الاهتمام في الكثير من الأماكن التي تحاول محاربة ما يسمى الإرهاب، فهم يريدون القضاء على القراصنة، وهم يعلمون أنه لن يكون هناك قراصنة مقلقون إلا بوجود حكومة قوية تحكم السيطرة على البر والبحر والجو، ولا وجود لحكومة إلا باستقرار الأوضاع الأمنية، ولن تستقر الأوضاع الأمنية ما دام الفقر والجوع والجهل هم العناوين الرسمية الأعرض لهذا البلد، فضرب القراصنة لن يؤدّي إلا إلى تطوير القراصنة لأدواتهم لأنها معركة حياة أو موت بالنسبة لهم... ومن ذا الذي يريد أن يستسلم للموت إن كانت الحياة والموت يستويان؟

وإن ننسى في هذا العيد، فلن ننسى العراق، ولن نستطيع الإشاحة عنه في أقاليمه المتعددة، ولن نتمكن من ذرف المزيد من الدموع، فقد توزعت على الأحداث الجديدة، ولن نتمكن من جمع المزيد من التبرعات، فلقد استنزفتها المجتمعات التي لا ندري أيّها أحوج من أيّها، مع تشكيك أصيل في الكثير من هذه الحملات هل تصل إلى المحتاجين حقاً، أم تنحرف في بعض انعطافات الطريق لتموّل فرقاء ومسلحين وجهات ما كان قطاع من المتبرعين قد عقدوا النية على تمويلها حينما أخرج البعض دنانير نفيسة على قلبه وهو في حاجة لها ولكن حرّكه الحماس وقاده “الجسد الواحد” لأن يؤثر غيره على نفسه ولو في النفس خصاصة.

إنه عيدٌ اعتياديٌّ إذاً، لا جديد فيه ولا غريب عن ما يجري كل عام، ومن الابتذال أن نكرر “بأيِّ حالٍ عدتَ يا عيدُ”، ولا جديد في كل عيد سوى دائرة الحريق التي تتسع، والأوطان التي تتهاوى، ولكن... كل عيد وأنتم بخير.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية