منذ أن ارتكب آدم عليه السلام خطيئته الأولى، قال تعالى {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}، فمنذ ذلك التاريخ والبشرية لا تنفك في حال من العداوة الآتية من الكراهية المنبعثة من أكثر من سبب. فمن بعد الهبوط المادي أو المعنوي، أتت أولى العداوات البشرية بقتل قابيل لهابيل، على أساس العداوة المتأتية من الحسد، والرغبة في امتلاك ما ليس للإنسان بأسهل الطرق وإن كانت ملتوية.
هناك من يقول إن الكراهية تنتج عن عوامل بيولوجية في الإنسان، ولأن الإنسان كائن شديد التعقيد، فإنه لا يمكن الوصول بالضبط إلى المصدر أو الحالة التي تسبب لديه الشعور بالكراهية تجاه الآخر، أو الآخرين. وربما كتاب آرونت بيك (سجناء الكراهية)، واحدٌ من الكتب التي حفرت في هذا المجال، وهو يشير ضمناً إلى أن الكراهية تتأتى من وجود المشتركات، أو التماسّ، كالكراهية التي تنتج داخل الأسرة الواحدة جراء التنافس على الميراث مثلا، أو الكراهية التي تنشأ بين زوجين، أو الكراهية بين الجيران، أو المتقاتلين في ساحة الحرب، أو المتنافرين في المعتقد. كما تشير إحدى الدراسات في كتاب (مولد الكراهية) إلى أن الكراهية لا ترجع إلى عامل واحد، بل هي حالة معقدة، وتشتد باشتداد الشعور بالأنانية، أو الشعور بالخوف، أو بالاضطراب النفسي.
فعلى سبيل المثال، فإننا في البحرين لا نكره سكان الإسكيمو – مثلاً – لأننا لا نتماسّ معهم، ولا يوجد بيننا تاريخ مشترك، ولا ثقافة مشتركة، ولا دين مشترك، لا نتنافس على مكاسب أو مواقع، هم لا يعلمون عنا شيئاً، ولا نكاد نعلم عنهم شيئاً، وبالتالي فلا يوجد داع أو مبرر للكره فيما بيننا.
ومن المفارقات أن هذا القرب هو أيضاً ما يتسبب في الشعور بالمحبة والانتماء والتماهي مع الآخر، ولكن لأن القلوب تتقلب، فإن هذا الشعور المتنقل بين المحبة والكراهية، يمكن أن يتراوح بين الأطراف من دون ضابط محدد، وفي المقولات السائدة “ما محبة إلا من بعد عداوة”. وهذه المحبة إن كانت صادقة وخالصة من دون نوازع أخرى أو مصالح تكتيكية، تحتاج هي الأخرى إلى دراسات نقيضة لتلك الدراسات الباحثة في تكوّن أسباب الكراهية التي تنبعث بين قريبين، أو متجاورين، أو متنافرين.
ولو عاد الإنسان إلى ذاته وحاسبها، لوجد أن الكراهية تجعله غير متوازن في تصرفاته وانفعالاته وحكمه على الأمور والمواقف والأفراد وخصوصاً إن كان الكاره والمكروه في مواقع متفاوتة من القوة وصنع القرار، سواء في قسم وظيفي، أو في فضاء اجتماعي أوسع، إذ إن جميع مبررات القرارات والأفعال والانفعالات المبنية على الكره ستُظهر صاحبها “صغيراً” لا يتمتع بالحكمة والاتزان حتى وإن حاول أن يبرر ذلك بأنه يحاول تعديل الميزان الذي مال بممارسات الطرف الآخر ردحاً من الزمان، وأن الظلم لا يُردّ إلا بالظلم حتى تعتدل الأمور. فبمجرد أن ينساق الفرد منا إلى التعامل بما يتنافى مع إنسانيته تحت أي مبرر كان، فإنه سينساق من حيث لا يعلم (في الغالب) إلى الخصومة الفاجرة، وهي التي جاءت في بعض مرويات الأحاديث النبوية على أنها رابعة صفات المنافق “... وإذا خاصم فجر”. ولذلك فإننا في لهجتنا المحلية نقول للغاضب أنه “مستحمق” أي أنه ليس أحمقاً، ولكنه “يستحمق” أي يلبس لباس الحمق؛ لأن الغضب يعبّر عن نوع من الكراهية قد يقود في الكثير من الأحيان إلى افتعال موقف أو مقولة تتعدى العقل والحكمة والرزانة، إلى الحماقة.
والمجتمع الإسلامي نشأ من جملة متناقضات وحروب سابقة، وتفاخر في الأصول والانتماءات، وقد هذّب عصر النبوّة هذه النزعات التي تولد هذه المتناقضات، ولكنه تهذيب وقتي لم يئن له أن يستمر طويلاً ويتغلغل في نفوس الناس بالشكل الذي يحقق قول الرسول الكريم “دعوها فإنها منتنة” التحقق الكامل. ولاشك أن الفتن التي أتت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة “الإمامة” - وجودها من عدمها، النصّ عليها صراحة أو مداراة - هي واحدة من أعقد القضايا وأكثرها تأثيراً فينا حتى يومنا الراهن؛ لأنها ليست موقفاً نشأ في تلك الفترة وانتهى، ولكن ترتب عليه نشوء انشطارات وتشظيّات كثيرة في جسم الأمة، عدّها الشهرستاني في كتابه “الملل والنحل” بالعشرات، والكثير منها قد مات واندثر بموت أصحابه، وما بقي منها اليوم كافٍ لوجود خلاف كبير بين أبناء المذهبين الرئيسيين، ولن يفيدنا القول الجميل أن ما نتفق عليه أكثر مما نختلف عليه، فالعلّة ليست بكثرة ما نتفق فيه، بل بعمق وقسوة ودموية ما نختلف عليه.
فلم يعرف التاريخ الإسلامي خلافاً سلت فيه السيوف، وسالت فيه الدماء كما حدث في هذه المسألة: الأحقية في الخلافة والإمامة، واختلاط الديني المذهبي بالسياسي، حتى ما عاد هناك فرق منذ تلك الأيام إلى يومنا الراهن في هذه المسألة.
ينقل عن عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (1913-1995) قوله “كنت في أمريكا، فنشب نزاع عنيف بين المسلمين عن علي وعمر، وكانت الأعصاب متوترة، والضغائن منبوشة، فسألني أميركي عن علي وعمر هل يتنافسان على الرئاسة عندكم كما تنافس ترومين وديوي عندنا؟ فقلت: إنهما كانا في الحجاز قبل 1300 سنة، والنزاع الحالي حول أيهما أحق بالخلافة. فضحك الأميركي حتى كاد أن يستلقي على قفاه. وضحكت معه ضحكاً فيه معنى البكاء.. وشرّ البليّة ما يضحك”.
مشكلتنا الحقيقية أننا لا نسكن التاريخ، لأننا لو نسكنه لتمكنا من مغادرته متى شئنا، ولكن المشكلة أن التاريخ هو من يسكننا، ونعيد تذكير أنفسنا به في كل حين، كأننا لا نريد أن نصدع لقول الحق {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ لأن الكثير منا لا ينظر إلى من سواه إلا من منظور يبدأ بالدائرة الأبعد (المذهب)؛ لكي يقرر كيف يتعامل معه حتى قبل أن يعرفه. ولا نزال نغمز ونلمز بعضنا بعضاً، ونردّ أعمال اليوم إلى شخوص الأمس في إحياء متجدد للصراع.