ما حدث في الرفاع من فعل ورد فعل، تفجير السيارة وما تلاه من رد فعل رسمي وشعبي، يُعد من المؤشرات الخطيرة لأسباب عدة لا تخفى على أحد ولا حاجة لتكرار الظاهر منها الذي جرى إشباعه حديثاً ومناقشة طوال الأيام الماضية منذ مساء الأربعاء الماضي إلى اليوم، وربما إلى الأيام المقبلة أيضاً، ليكون “تفجير الرفاع” أحد المحطات التي تؤرخ للمشكلة البحرينية التي لم تزل تتجدد، ليس منذ الرابع عشر من فبراير 2011، بل مما قبل ذلك بكثير.
منذ أن وصلت أولى الصور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الأربعاء، حيث كنت في إحدى المناسبات الاجتماعية التي تكثر في هذا الشهر الكريم، حتى تحول مزاج المناسبة إلى هذا الحدث، والقراءة ذاتها التي باتت أكثر حدة في العامين الماضيين هي ذاتها التي لم تتغير، بل وتزداد تأكيداً كل مرة للمواقف ذاتها التي اتخذها الناس بحسب انتماءاتهم السياطائفية، بين تصديق وتكذيب، وذهاب إلى الانتقام والضرب بيد من حديد، أو بفضح “مؤامرة” توريط المعارضة. الاستشهادات نفسها التي تستخدم في كل مرة هي التي تحضر في هذه المناسبة غير السعيدة، تسلسل سرد الحدث هي هي من دون تغيير اللهم في الزمان والمكان، ويبقى لدى الجموع روايتان رسمية وغير رسمية، وبحسب إيماناتهم وانتماءاتهم يختارون الرواية التي يودّون أن يصدّقوها، حتى وإن افتقدت للمنطق أو الترابط أو النقطة المركزية التي تبرر ما حدث؛ لأننا بتنا مأخوذين بمن يوفر لنا الحماية النفسية أولاً، ولتذهب الأدلة والاستدلالات إلى الجحيم.
أحد الأمور المزعجة فيما حدث، صدور البيانين اللذين يؤشران - وبشكل يتفاوت بين الإضحاك والإبكاء في وقت معا - مع جهتين إحداهما تدّعي تبنيها للتفجير، والأخرى تدّعي قيامها برد فعل قاسٍ تجاه ما حدث، والاثنتان هما من مصائب الدهر، إذ إنهما تحاولان (من الناحية الهزلية) انتهاج نهج المجتمعات ذات الحركات الحزبية المتأسسة على الأذرع السياسية والعسكرية وذات النفوذ القوي والتنظيم المحكم القادر على فعل أكثر من مجرد أعمال صبيانية قائمة على رد الفعل تجاه أي حراك أو أخبار تنتشر في الساحة المحلية، وأحياناً بتواصل مع الأوضاع الخارجية.
أما من الناحية المعكرة للمزاج أكثر مما هو متعكر بفعل هذا التفجير الأخير، وسلسلة الأعمال التي طالت دور عبادة وبعض الأملاك الخاصة والعامة بشكل متزامن، فيتمثل في هذا التصعيد العالي اللهجة، واستخدام العنف كمفردة سهلة التناول في البيانات والأحاديث والنصوص المتبادلة، وكأننا قوم مردوا على العنف وعُجنوا به وأنهم يشربون الدم بدل الماء، وأن رائحة البارود عالقة في قماطهم وهم يرضعون. من أين أتتنا هذه المفردات؟ من أي تعلمنا صنع المتفجرات، من أين للمدنيين أسلحة يحملونها، من ضمن لهؤلاء وهؤلاء ألا يكون هناك ضحايا لأي عمل طائش من الأعمال التي يقومون بها، ومن قال إن العنف قد استطاع في أي مرحلة من المراحل، أو أي دولة من الدول أن يحلّ قضية، أو ينهي صراعاً، فإنه – وإن نجح مؤقتاً في بعض الحالات – لن يكون إلا طبقة رماد تغطي الجمر المشتعل من تحته، وأيّ هبة هواء ساخنة كفيلة بكشف هذه الطبقة، وعودة الجمر الأحمر من تحته ساخنا وهّاجاً، والساذجون وحدهم من يعتقدون أن موجة عنف جديدة كفيلة بإيجاد حلّ نهائي، فهذه الحلول قد تم اختبارها محلياً عبر عقود من الزمن، وإذا كان القائمون على تفضيل سيناريو العنف ويقدمونه على كل السيناريوهات الأخرى، بل لا يرون له بديلاً، ولا يزالون يرون أن هذا هو المخرج الوحيد لتحقيق ما يطلبون، فعليهم أن يراجعوا قدراتهم العقلية، سواء في التاريخ البحريني منفرداً، أو في تاريخ الأمم والشعوب، الدول والحكومات، وكيف مضت الصراعات الداخلية فيما بين القوى المتنازعة، وكيف انتهت في آخر المطاف، وما الخسائر التي عاشها الجميع، والخسائر المريرة التي خاضها الجميع، حتى ينفضوا رؤوسهم ذات يوم، بعد فترة قد تطول أو تقصر، ليروا أنهم سلكوا الطريق الخاطئ ذات يوم بينما كانوا على مفترق الطرق، ولم يُحسنوا الاختيار. وقادهم كبرياؤهم والإحساس العالي بكرامتهم، والعناد والصلف والتكبر والغرور، وأيضاً تجار الحروب والمستفيدون ليتنكبوا الطريق ويسلكوا طريقاً وعرة منحدرة زلقة لا يمكن للقدم أن تستقر عليها، ويصبحوا بالتالي غير قادرين على التحكم حتى في أنفسهم ولو أرادوا!
بين الفريقين المنشغلين برصّ متاريسهم، وتحصين مواقفهم، وضبط أسلحتهم المتنوعة، تأتي أصوات “الشحارير” التي تضيع غالباً ولا يسمعها “المتقاتلون”. أصوات تقول “صلوا على النبي”، وتدعو لأن ننتبه إلى أن انسياق البلاد في حالة من الحالات التي خبرناها في بلدان عربية من اقتتال، سيكون وبيلاً، وعواقبه لن تسعد أحداً، وستنتهي كما بدأت بحسبة “لا غالب ولا مغلوب”، ولكن هذه الحسبة يرتبها الكبار على الطاولة، بينما أسماء الصغار لن تكون حاضرة، خسائرهم ستكون منسية، أرواحهم ستتطاير في الفضاءات لا ممسك لها إلا الرحمن، آلامهم ستباع في المزادات، أحلامهم الصغيرة ستدخل سوق المناقصات، فلا أحد يهتم بها، أسرهم ومحبوهم لا وزن ولا قيمة لهم، كل هذا سيجري ترتيبه في معزل عن وقود الصراعات؛ وذلك استعداداً لموجة أخرى لا يدري أحد متى ستهبّ من جديد، أصوات تُسمّى عاقلة ووطنية، وأيُّ عقل يمكن يقارع الجنون، وأي بيان يمكن أن يُطفئ حريقاً؟!
البحرين – يا أسيادي وتيجان رأسي – تنزف عطرها وسمعتها وتاريخها ونكهتها وميزاتها واسمها وما ميّزها عبر التاريخ، وإذا كان هناك من لا يدرك هذه القيم التي هي الباقية لبلد تتراجع حظوظه، وبات يُعان من قبل محيطه، فإنه سينتهي إلى الجلوس على كومة من الخرائب النفسية التي تصفر فيها ريح السموم، وهذا ما لن نسمح به، ولن نقف متفرجين عليه إلى الأبد بأيِّ حجة؛ لأننا - نحن الذين لا همّ لهم إلا الانتصار للوطن - هنا وسنظل هنا، لا ملجأ لنا غير هذي البلاد ولم نعرف وطناً غيرها، ولا نريد أن نعرف، بل نريد أن نورث هذا البلد معطاءً زاهراً قوياً عزيزاً مُهاباً متحاباً عادلاً، لمن سيأتون بعدنا، وإلا فإننا نستحق لعناتهم إلى يوم الدين.