عندما قرأت عنواناً نشر على الصفحة الأولى من إحدى الصحف المحلية في نهاية الأسبوع الماضي يقول “الحروب القادمة على مصادر المياه”، مرّت عيناي عليه سريعاً، ثمّ كمن تذكر شيئاً فجأة، عدت إليه لأتأمّله من جديد... خمس كلمات، أتذكر متى قرأتها أول مرة، متى استلفتتني أول مرة، أذكر الآن جيداً، إنه العام 1989، في صحيفة كويتية، أرجّح أنها “القبس”، موضوع كبير منشور على أكثر من نصف صفحة تتوسطه صورة كبيرة لمسطح مائي. ولكي أتأكد من أنني لم أقرأ هذا العنوان للمرة الأولى، قصدت السيد غوغل، وبحثت عن “حرب المياه القادمة”، فأفرز لي نتائج على الإنترنت العربي الفقير أساساً، مقدارها 3 ملايين و660 ألف مادة باللغة العربية تحمل هذه العبارة!.
العيب ليس في من وضع العنوان، ولا في الخبراء العرب الذين توصلوا للمرة الديشيليون للنتيجة نفسها، ولكن في رد الفعل الذي لا يعني سوى الخدَر إزاء هذه الكارثة التي بتنا نعرفها، ونوقن بها، ونتعاطاها منذ ربع قرن، دون تحريك ساكن.
كم مرة قرأنا “مع حلول العام 2015، ستكون منطقة الشرق الأوسط على أبواب جفاف وتصحير ونقص كبير في مياه الشرب والري، الأمر الذي سينعكس سلباً على الصحة العامة والمناخ والبيئة والزراعة بشكل خاص. هذه الحال هي التي تجعل خبراء الماء والمال والحرب يجمعون على أن الشرق الأوسط سيكون منطقة نزاع كبرى حول المياه”؟[1]
ومن منا لم يمرّ عليه شيء من مقولة أن “حرب المياه الشاملة مع العدو قادمة لا محالة، فإن إسرائيل ودول الجوار يعيشون أزمة مياه ستزداد حرقتها في السنوات القليلة المقبلة، كما أن البيانات الصادرة عن مراكز الدراسات العربية والغربية تشير إلى أن “إسرائيل” ستعاني خلال السنوات القليلة المقبلة عجزًا في المياه يصل إلى 50 %، وفي الأردن يصل إلى أكثر من 20 %، وتتزايد النسبة في سوريا بعد أن انخفض نصيبها من مياه الفرات 40 %، وتعاني مصر عجزًا يصل- وفق الخبراء- إلى 24 مليار متر مكعب سنويًّا”؟ [2]
والطريف في الأمر أن موضوعاً قد كتبه كريم حسن في مجلة “المياه” [3] في عددها الصادر في 16 أكتوبر 2010 جاء فيه “أشارت اغلب الدراسات والبحوث إلى أن المياه ستكون هي وقود حروب وصراعات مستقبليه في العالم حيث أن ازدياد الطلب على الغذاء أدى لزيادة الطلب على المياه مما يؤدي ذلك لإشعال فتيل الحروب وتوقعت هذه الدراسات بأن الحروب ستبدأ في الربع الثاني من القرن الحالي.
وأشارت الدراسات بكون المياه ستكون المصدر الرئيسي للثروة في هذا القرن بدل النفط بسبب أن كلفة الغذاء ترتفع بصوره كبيرة وبسرعة غير طبيعية وإضافة للتغير المناخي والذي احدث موجة جفاف في كثير من بقاع العالم مما جعل من ندرة المياه الشبح الذي يلاحق كثير من البشر هذه الأيام كما أن ارتفاع أسعار الغذاء عائد أيضا لقلة المياه وكثرة التوسع في استعمالات المياه الأخرى على حساب الزراعة حيث الاستخدام الواسع للمياه في الصناعة والتطور العمراني مع قلة مساحة الأراضي الزراعية من جراء التصحر مما يزيد هذا من خطورة الوضع في العالم”. وكلام كثير مثل هذا وأكثر منه أو أقل عمقاً، وبألفاظ مختلفة، وبأرقام وحقائق يجري تجديدها في كل حين.
ولو عدتَ أيها القارئ الحصيف إلى أعداد الصحف المحلية الصادرة يوم السبت 12 مايو 2013، لوجدت الكلام نفسه، والتحذيرات نفسها، والمخاوف نفسها، والشكوك نفسها الصادرة عن الاجتماع الذي انعقد في البحرين نهايات الأسبوع الماضي، تحت مظلة الاجتماع الحادي والثلاثين لمجلس العمل المشترك. ولو وسعك الوقت أكثر وصافحت مثلي السيد غوغل، لرحّب بك إلى مئات الآلاف من المقالات والأخبار والدراسات والحوارات وغيرها من المواد المكتوب والمرئية التي تقول الكلام ذاته، وبالترتيب ذاته، وبارتعاش الصوت ذاته، وبالنسق ذاته، وفي المؤتمرات والملتقيات ذاتها، وفي الفنادق والقاعات ذاتها، وبالأشخاص ذاتهم، وبالسفرات ذاتها، وبالبذخ ذاته، وبتوديع وفود المؤتمرات بما استقبلت به من حفاوة وترحاب!
واحدة من أهم مشاكلنا على الصعيد المحلي والإقليمي والعربي، أننا لا نقل فهماً وذكاء وفطنة وإدراكاً عن بقية شعوب العالم أو مؤسساته الحاكمة، ولكننا نقلّ عنهم – وبما لا يقاس – في الجدّيّة ومواجهة الأزمات والكوارث الحاصلة والمتوقعة. ربما هذه الحالة ما يطلق عليها في علم الإدارة بـ “الجبن الإداري”، وهو عدم الرغبة في التصدي للمشكلة، مع وجود إحساس نابض بها، حتى يتحول هذا “الجبن” إلى “خَوَر” وطني، يتسلل من المؤسسات الحاكمة التي لا تقوى على أن تفعل شيئاً تجاه هذه الأزمات، إلى طبقات الشعوب التي اعتادت عربياً على أن الجهات الحاكمة تقوم مقام الأب فيها، الأب الذي يتولى القيادة وحده، وينهر أولاده إن هم حاولوا أن يشاركوه الرأي والمسؤولية، فهذا ليس من شأنهم لأنهم أقل نضجاً من أن يناقشوا ما ليس من عملهم. وما دام الأب يدرك الخطر، فلا بد أنه قد وضع من الاستعدادات ما يمكنه أن يجابهه به، وبالتالي ليس على الأبناء إلا أن يناموا قريري العين، حتى وهم يعلمون أنهم يمرحون لاهين تحت غيوم الجحيم التي توشك أن ترسل عليهم شواظاً من نار.
هناك طريقة “مثلى” لتجريع الناس الخَدَر وجعلهم يقبلون الموت بل القتل برضا بالغ، وأكثر من ذلك، أن يتمنوا اقتراب موعد ذبحهم، يراقبون الساعة مستعجلين الساطور لينزل على رقابهم، ذلك بتكرار تخويفهم من شيء ما وعلى مدى السنوات، حتى يتبرّم القوم ضيقاً وقد نفد صبرهم: متى يحلّ بنا ما تقولونه؟! إن تحذيرات تتلى على مدى ربع قرن من الزمان، تنذر بحرب المياه، من دون أن يكون هناك حراك جدّي وحقيقي وعلمي ومنهجي وإستراتيجي لتجنبها، يعني أننا نركب قاطرة تنزلق على قضبان الحديد من دون فرامل لا تنتظر إلا الكارثة لتحلّ بها، من دون حول ولا قوة!.
هامش:
[1] رائدة الغرباوي، الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=262600
[2] التجمع القومي الموحد، هل تبدأ حرب المياه من حوض النيل؟، http://www.unitedna.net/showsubject.aspx?id=1431
[3] مجلة المياه http://www.almyah.net/mag/articles.php?action=show&id=280