ترتبط الأيام في شهر رمضان المبارك بحرمة لا يدركها كثير من المسلمين، وهي حرمة تعكس خصوصية الزمان كما اقتضتها حكمة المولى تعالى، فهو جل في علاه اختص أماكن معينة بخصوصية عن سائر الأماكن، ومن ذلك مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس حرره المولى تعالى من براثن اليهود عليهم من المولى تعالى ما يستحقون، وذلك مقابل أزمان اختصها المولى تعالى كي يستثمرها العباد فيما يتقربون من خلاله إلى مولاهم ليعيدوا حساباتهم معه جل في علاه، ومن ذلك العشر الأوائل من ذي الحجة، وبعض الشهور، وشهر رمضان الذي اختصه المولى تعالى بالفضيلة، وعلى وجه الخصوص العشر الأواخر منه، ولكن..
على الرغم من هذه الخصوصية التي أنعم بها المولى تعالى على عباده حتى يجددوا حساباتهم مع ربهم، وجعل فيها العشر الأواخر التي فيها ليلة هي خير من ألف شهر، وصفّد لأجل ذلك شياطين الجن حتى لا تنشط لتشجع العباد على الانحراف والوقوع في الرذيلة، فإن هناك شريحة من الناس لا تحسن استثمار هذه الفضيلة لهذه الأيام، سواء بالكلية أو بالصورة التي تحقق الاستثمار الأمثل لهذه الأيام، يجذبهم لذلك ما ينشط من خلاله شياطين الإنس الذي ينشطون في هذه الأيام بصورة واضحة عبر شاشات التلفاز على وجه الخصوص، حيث يجتذبون من خلال مسلسلاتهم وبرامجهم ومسابقاتهم بعض الناس الذين يتسمرون أمام شاشات التلفاز بصورة يلهون من خلالها عن الانشغال بما يقربهم إلى ربهم جل في علاه، وذلك في تضييع لفرص استثمارية واعدة في هذا الشهر الفضيل لإعادة الحسابات مع الله، والسبب في ذلك عدم وعي أمثال هؤلاء لحرمة الشهر الفضيل الذي اختصه المولى تعالى بعظيم المنن، ونسوا أو تناسوا أن من خرج من هذا الشهر الفضيل ولم يكن له نصيب من الرحمة والرضوان، فقد باء بالوبال والخسران، وأصبح في حال يندى له الجبين، وضيع فرصة لا تعوض أبداً.
يفترض مراعاة لحرمة الشهر الفضيل أن يكون التقرب إلى المولى عز وجل فيه بصورة تراكمية، بمعنى أن يبدأ المسلم يومه وليلته مع بداية الشهر الفضيل بصورة يكون من خلالها أكثر انشغالاً بالقربات، خصوصا مع دخول العشر الأواخر من رمضان، وهي الأيام التي يقل فيها إقبال كثير من الناس بحجة انشغالهم بارتياد السوق لإنهاء حاجيات العيد، مضيعين بذلك أفضل مواسم الاستثمار للقرب من المولى جل في علاه.
وإذا كانت حرمة الشهر الفضيل تقتضي منا زيادة القربات والعبادات، فإنه يقترن بها ضرورة ابتعاد المسلم عن المعاصي والآثام التي ينشط شياطين الإنسان في سبيل الإغواء بها، والتي يستهين بها كثير من الناس ولا يعيرونها انتباههم حتى تجرفهم كالتيار عن قرب المولى جل في علاه، وتشغلهم عن كثير من القربات بصورة تجعل من البعض معرضاً عن الإقبال على الأنشطة المتنوعة التي يقيمها أهل الخير في رمضان، والتي يشكر عليها القائمون على الجمعيات الخيرية التي تعد البرامج المتنوعة لجذب المصلين إلى قرب المولى تعالى، ونحن ندعوهم بدورنا إلى تطوير هذه البرامج بصورة أكثر جذباً للناس مقابل ما ينشط من خلاله شياطين الإنس في سبيل إغواء الناس وإشغالهم عما يقربهم إلى مولاهم تعالى في هذه الأيام الفضيلة.
زبدة القول
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبقى أحوال المؤمن في قربه من مولاه جلا في علاه في شهر رمضان مثلها في ذلك مثل الشهور الفائتات بقصر التغيير في حياته في هذه الأيام على صلاة التراويح وإخراج زكاة الفطر، ولا يمكن أن يكون حال المؤمن الحصيف في هذا الشهر الفضيل مثله في ذلك مثل ما فات من الشهور التي مضت، وعليه فإنه يتعين عليه الفرار إلى المولى تعالى في هذه الأيام المعدودات التي تمضي سراعاً، واللبيب من استثمرها في قرب مولاه جل في علاه ساعة بساعة، ودقيقة بدقيقة.