مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف الذي يحتفل به العالم الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى الشعبي، تتردد نقاشات حول ما يرتبط بحكم المولد، وذلك ما بين من يرى بأنه بدعة محدثة وضلالة، وبين من يرى بأنه تعبير إيجابي عن التعلق بالذات النبوية الشريفة، وعبارة عن رد لجميل صاحب الجميل عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
وللعلم - ولا يخفى على السادة القراء - بأن ما عنونت به المقال هو مطلع لقصيدة نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي، وتكملة هذا البيت من الشعر هي: (وفم الزمان تبسم وثناء)، وأياً ما كان مكمن الخلاف بين من يؤيد الاحتفال بالمولد أو لا يؤيد، فلابد من أن نقرر حقيقة تحسم هذا الخلاف تتمثل بالتأكيد على أن ذلك يرتبط بنطاق تعريف مفهوم البدعة ونطاقها ومعاييرها، فبينما تجد من يعتبر أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار انطلاقاً من التأكيد على أن كل ما ورد في زمن النبوة مبني على التوقيف الذي لا ينبغي مخالفته وإلا اعتبر كذلك، فإنه هناك في المقابل من يرى بأن المولد وإن كان شيئاً مستحدثاً بعد القرون الثلاثة الأولى، إلا أنه قد استحسن من قبل كثير من العلماء الكبار المعتبرين الذين حفظ المولى تعالى بهم الدين، وأن استحسانهم هذا قد امتد لعلماء معتبرين في زمنا هذا كذلك، فأكثر المجتمعات الإسلامية إن لم يكن أغلبها تحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف بطرق مختلفة يغلب عليها المدائح النبوية والتي من أشهرها نظم (البردة) للإمام البوصيري.
وحقيقة الأمر، فإنه إذا كان ربط الخلاف في جواز أو عدم جواز الاحتفال بالمولد يقترن بما يعتري جانباً من هذه الاحتفالات من قبل بعض الشعوب من منكرات ومحرمات، فإن هذا الجانب لا يمثل إشكالا كبيرا بين الفريقين، حيث إن المعتدلين من كل منهما يرفض هذه المنكرات والمحرمات التي تجعل الحرمة مقترنة بطريقة الاحتفال وليس بذات الاحتفال لبدعيته، ومن ذلك قيام بعض المجتمعات بإحياء ذكرى المولد بصورة مبتذلة ودون مراعاة لحرمة ذاته الشريفة (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم)، وعليه فإن مكمن الخلاف لا يرتبط بذلك نهائياً.
وما أراه ضمن هذا النطاق أن موضوع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف سواء أكان بصورة سنوية أو بصورة أسبوعية أو ما إلى ذلك يعتبر من قبيل الخلاف المرتبط بالمسميات ونطاقها، وهو ما يعني أن الاختلاف حول المسميات المقترنة بمفهوم البدعة وما يمكن اعتباره بدعة مضللة ومالا يمكن اعتباره كذلك هو الذي ولد الخلاف بهذه الصورة، فمن اعتبره بدعة مضللة ربط ذلك بعدم فعل المصطفى (عليه الصلاة والسلام) لذات الفعل الذي تحيى به ذكرى مولده الطاهر بصورة كتلك التي تقع في إحياء مولده، ومن اعتبره سنة حسنة قرن ذلك باجتماع الكثير من العلماء المعتبرين الذين حفظ المولى تعالى بهم الدين على تأكيد أن المولد قربة من أفضل القربات، وأن النبي المصطفى كان يحتفل بهذا اليوم من خلال صومه؛ لذلك فإن التضخيم الحاصل من قبل الرافضين في ذلك يعتبر تضخيماً غير مبرر وغير مجد، وعليه فإنه لابد بدلاً من الإنكار الشديد بالصورة الدارجة حالياً على فريق المؤيدين لإحياء المولد النبوي مع الانضباط بالضوابط الشرعية التأكيد على مبدأ شرعي يتمثل بضرورة تجنب التفسيق للمخالف والنظر بإيجابية لسلامة نيته، انطلاقاً من القاعدة التي مفادها أن اختلاف أمة المصطفى (عليه الصلاة والسلام) رحمة، وأن هذا الأمر ينسحب على هذه المسألة وعلى غيرها من المسائل.
وعليه، فإن ذكرى مولده الطاهر ينبغي أن تكون مناسبة تتوحد من خلالها الأمة بمختلف طوائفها بدلاً مما هو حاصل الآن، فهو (عليه الصلاة والسلم) الذي جمعنا على الدين والملة، الأمر الذي يحتم علينا ألا نقرن ذكرى مولده بالتشاحن والتباغض بيننا، وليكن شعارنا بأن الخلاف لا يفسد للود قضية، وأن نحسن الظن ببعضنا من خلال تجنب كثير من المهاترات التي تضيع وقت الأمة فيما لا ينفع ولا يفيد، ونسأل المولى تعالى أن يجعل لنا من خلافنا رحمة وهداية وتماسكاً... اللهم آمين.
زبدة القول
نغتنم ذكرى المولد النبوي الشريف لنرفع أسمى آيات التهنئة للقيادة الرشيدة، ولعموم قيادات الدول الإسلامية والعربية، ونسأله تعالى أن يجعل هذه المناسبة مدعاة لتوحدنا وتماسكنا لا تشرذمنا وتفككنا والتشاحن بيننا، وأن ننشغل بالمهمات من أمور أمتنا بدلاً من الانشغال بسفاسف الأمور... اللهم آمين.