في جلسة مجلس الشورى التي انعقدت في الأسبوع الماضي تمت مناقشة مشروع قانون يرتبط بالعنف الأسري الذي بات يهدد المجتمع البحريني في مقتل، حيث ظل المجلس يناقش المادة الأولى منه المتعلقة بالتعريفات ثلاث ساعات، ومن ثم قرر إعادة المشروع إلى اللجنة المعنية؛ لمناقشته بصورة أكبر، مع العلم بأن المشروع فيه إشكالات كبيرة تتعلق بالصياغة والجوانب الفنية القانونية وما إلى ذلك.
وحقيقة الأمر، فإنه في ظل ما يعانيه المجتمع من استشراء لهذه الظاهرة الخطيرة، فقد بات من الضرورة بمكان قبل تشديد العقوبات المرتبطة بالعنف الأسري القيام بالبحث عن الأسباب المرتبطة بذلك، وذلك من خلال دراسات دورية ترتبط بأبعاد إستراتيجية؛ لرصد الظاهرة ومعرفة أسبابها ودراسة الحلول المناسبة لاحتوائها على المدى القريب والبعيد.
إن وجود حالات تم رصدها وتصنف على أنها حالات عنف أسري يستلزم الوقوف عندها ورصدها ومعرفة خلفياتها، وذلك من خلال رصد أنواعها وما يرتبط بها من أسباب، لاسيما ونحن ننتمي لمجتمع مسلم يُستلزم منه أن استيعاب وتطبيق الكثير من النصوص الشرعية التي تحث على الإحسان إلى الأسرة وبذل أرقى صور المعروف في سبيل إسعادها، وهو ما يقتضي منا التوعية بهذه النصوص ونشرها والتثقيف بها؛ حتى تنعكس على واقع المجتمع وصورته، فإذا كان فهم واستيعاب هذه النصوص غائباً عن فكر ووجدان المجتمع، فإن ذلك يستلزم التعريف والتوعية بها، وإذا كان غير ذلك فلابد من تصحيح المفاهيم المغلوطة حول ذلك؛ حتى يسود الفهم الصحيح والوسطي والموضوعي لها في الجملة والتفصيل مع انعكاسه واقعاً في سلوكيات المجتمع.
لابد أن نعترف بأننا مقصرون في دعم مختلف برامج الدراسات؛ لرصد العديد من الظواهر الاجتماعية، والتي بدأت منذ فترة طويلة في الاستفحال والبروز، وهذا ما يستلزم منا كمجتمع القيام بالعديد من الدراسات والبحوث لرصدها ومعرفة درجة انتشارها في المجتمع، والعمل من خلال ذلك على تحديد أسبابها لاعتماد الحلول المناسبة لاحتوائها وعدم تشكلها كظاهرة، وليس من شك في أن ظاهرة العنف الأسري المرتبطة بضعف الاستقرار الأسري في البحرين - والتي ينبغي رصدها لمعرفة مدى كونها تشكل ظاهرة أم لا، إضافة إلى التعرف على مختلف جوانبها – قد أدت إلى بروزها بصورة واضحة في الآونة الأخيرة، وبالتالي فإن احتواءها يحتم معرفة أسبابها المختلفة والحلول الممكنة لاستيعاب هذه الأسباب، مع ضرورة ألا يقتصر ذلك على العلاج بعد استفحال الظاهرة فحسب، بل لابد من اتخاذ إجراءات وقائية يمكن من خلال حماية المجتمع من العنف الأسري.
إن العنف الأسري يتمثل أحد أهم أسبابه بضعف الاستقرار الأسري في المجتمع، وهي مشكلة ينبغي رصدها بصفة دورية لارتباط مدى تحقيق الاستقرار الأسري في المجتمع بتحقيق الاستقرار ضمن مختلف جوانبه المتعددة؛ وذلك حتى يصل المجتمع إلى درجة من الوعي التي يمكنه من خلالها تجاوز استشراء مثل هذه الظاهرة السلبية، ليتحول من خلال الحلول التي يتم تطبيقها على أرض الواقع إلى مجتمع متماسك وقادر على تحقيق التماسك فيه على المستوى الأسري، وبالتالي على المستوى المجتمعي، وذلك بدلاً من حالة اللاوعي التي تسود في المجتمع فيما يرتبط بأهمية المتابعة البحثية الدورية لرصد الظواهر الاجتماعية المختلفة قبل تطورها وتفاقمها بصورة يصعب بعد ذلك احتواؤها على المدى القريب، وعليه فإن السلطة التشريعية ممثلة بمجلسيها عليها أن توجه اهتمامها إلى استيعاب المشكلة من خلال مختلف جوانبها، وذلك بدلاً من معالجتها بصورة ترقيعية ومن خلال إصدار التشريعات الصارمة دون استيعاب أبعاد المشكلة ودرجة تجذرها في المجتمع، والأسباب التي تقف وراء تفاقمها حتى أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد الاستقرار الأسري في المجتمع، وترفع من معدلات الطلاق بصورة ملحوظة، مما يتسبب بإضعاف الاستقرار المجتمعي ارتباطاً بذلك.
زبدة القول
حتى يتحقق التجاوز لبروز واستفحال الكثير من الظواهر الاجتماعية السلبية في المجتمع، فلابد من متابعة ذلك وفقاً لمؤشرات يتم رصدها ودراستها وتحليلها بصفة دورية، وألا يقتصر الحل في ذلك ضمن الإطار التشريعي المتضمن تشديداً للعقوبات دون البحث عن أسباب وخلفيات المشكلة، ولاشك أن العنف الأسري كظاهرة تحتاج ذلك لاحتوائها وتجاوزها.