ربما ما يجري اليوم على الساحة السياسية الأميركية يقرر الحقيقة التي تؤكد السنة الإلهية بأن الأيام يداولها المولى تعالى بين الناس، وأن ما يكوي به الأميركان الشعوب الأخرى من زرع للتحزب والصراع والتأجيج للطائفية في مجتمعاتهم قد باتوا يذوقونه مما يعانونه من صراع حزبي مر عليه أكثر من أسبوع، حيث يتصارع الجمهوريون والديمقراطيون الذين ينتمي إليهم الرئيس الأميركي أوباما على ما يرتبط ببنود إقرار الميزانية، وهو ما أدى إلى الإضرار بالاقتصاد الأميركي، إضافة إلى رفض الجمهوريين لعدد من المسائل التي يطالب بها الديمقراطيون تحت مظلة رئيسهم الذي يحكم الولايات المتحدة الأميركية حالياً، حيث أدى ذلك التعطيل إلى وقف رواتب قرابة مليون موظف أميركي في الحكومة الفيدرالية، وقد يتأتى وقف رواتب العسكريين الأميركيين بسبب ذلك، وحتى الرئيس أوباما بات يلغي أو يؤجل سفراته الرسمية للخارج لهذا السبب، ومن ذلك اعتذاره عن حضور قمة آسيا.
وحقيقة الأمر، إن الإشكالية الواقعة بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي تتمثل في رغبة كل طرف في إقرار بنود في الميزانية الأميركية وفق منظور يرفضه الطرف الآخر، ووسط إصرار كل منهما على موقفه كانت النتيجة توقف إقرار الميزانية مما أدى إلى وقف الرواتب عن الموظفين في الحكومة الفيدرالية في مختلف الولايات.
ووسط اتهامات بين هذه الأطراف بات المجتمع الأميركي يعاني من انشقاق سياسي، وهو نتيجة لذلك يذوق من الألم الذي يتسبب فيه على مختلف الأطراف في المجتمع الدولي بما فيها مملكة البحرين، فقد أثبت الموقف الأميركي من الأزمة التي عصفت ومازالت تعصف بالبحرين منذ فبراير 2011 مساعيه الجادة في زرع الفتنة الطائفية في المملكة، وذلك من خلال ما تتمثل به جهود السفير الأميركي في دعم المعارضة التي مازالت تثير الفوضى هنا وهناك، وهو ما أدى بصورة أو بأخرى إلى استمرار الفتنة وأعمال التخريب حتى يومنا هذا، وتمثل الموقف الأميركي السلبي في مملكة البحرين مؤخراً من خلال ما قرره الرئيس أوباما من جعل المشكلة السياسية في البحرين كالمشكلة السورية، وهي مفارقة مرفوضة تقرر ابتعاد السياسة الأميركية عن الحياد في الحكم على تداعيات الظروف وتطوراتها، ورغبتها الراسخة في إثارة الفتنة وعدم تحقيق الاستقرار في المملكة.
ونتيجة لذلك، فإن المجتمع الأميركي قد بات يعاني مما تسبب من خلاله في خراب الكثير من المجتمعات، فقد بدأ الصراع الحزبي بين الديمقراطيين والجمهوريين وهو مرجح للتصاعد، وهذا جزاء ما تقوم به السياسة الأميركية من سعي حثيث ودعم منظم لمختلف الأعمال المرتبطة بالتخريب وتأجيج الطائفية تحقيقاً لمصالحها التي تسعى إليها، وإن كان ذلك على حساب دمار المجتمعات الأخرى مادام ذلك يصب في مصلحتها، مع التأكيد على أنه مالم تخضع المجتمعات الأخرى لتقرير مصلحتها فإنها ستسعى بكل قوتها إلى تدميرها من الداخل من خلال تأجيج الفتنة الطائفية ودعم الصراع وأعمال التخريب فيها، فهي كانت ومازالت تسعى بكل ما تملك إلى تعزيز وبناء لغة التصادم وفق ما تمليه عليها مصلحتها، فتجعل بذلك الحق باطلاً، والحقيقة كذباً، والكذب واقعاً ومعاشاً وهكذا حتى تتحقق مصلحتها التي ترتجيها، وإن كان ذلك على حساب دمار شعوب أخرى مغلوب على أمرها أمام هذه القوة الأميركية التي لا تستثمر جوانب صلابتها وقوتها في المجتمع الدولي إلا بما تسعى من خلاله إلى تدمير الشعوب وزرع الفتنة الطائفية والعنصرية بينهم، وهذا ما انعكس في نهاية الأمر على انتقال الصراع الحزبي إليها وشاهده ما يحصل من صراع على أراضيها بين الجمهوريين والديمقراطيين، وهو ما يقرر أنها ما لم تتجاوز هذه المساعي، فإنها ستذوق من ذات الهم الذي أذاقته الشعوب الأخرى.
زبدة القول
إن الصراع الحزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين مرجح للتصاعد نحو وتيرة قد تصعب السيطرة عليها بعد ذلك، وكأنما في ذلك عقاب رباني وجزاء من جنس العمل، وما لم تغير الولايات المتحدة من سياساتها العبثية بمستقبل الشعوب من خلال تأجيج الصراع بينهم، فإنه سيبقى احتمال تضررهم من ذلك مرتبط بسنة المولى عز وجل في أرضه، فاللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بيد أيديهم سالمين.