في خضم ما جرى ومازال يجري على الأراضي اللبنانية مما يقوم به من ينعت نفسه بأنه «حزب الله»، فإن علامات الاستفهام والاستغراب التي تثار في خضم ذلك ترتبط باستفهامات تتعلق بكيف وإلى متى سيكون في دولة ما من يمتلك ترسانة عسكرية جنباً إلى جنب مع الجيش إن لم يكن بترسانة عسكرية أقوى منه، بل وتجاوزه بإعلان الحرب والدخول في صراعات خارج الوطن – وأعني بذلك تدخلات حزب الله في سوريا – دون ربط ذلك بالقنوات الدستورية والتشريعية في الدولة، فأين دعوات هذا الحزب الشيطاني إلى التأكيد على ربط قوته العسكرية بحماية لبنان؟، حيث برر تدخله في سوريا للقتال إلى جانب النظام بأنه حماية لأمن لبنان، فليقل من التبريرات ما يقول فالحق قد اتضح، والمصلحة الطائفية عند هذا الحزب قد سمت على أية مصلحة وطنية، فما هو إلا ذنب من أذناب إيران التي تحركها كيفما شاءت.
على الرغم من أن سلاح ما يسمى بـ «حزب الله» موجود منذ سنوات لدى قوى لبنانية موالية للنظام الصفوي الإيراني، ورغم دخول هذا الحزب في حروب داخلية وحروب مع إسرائيل، إلا أن تدخله في سوريا ينبغي ألا يمر مرور الكرام، وذلك بحيث تسكت عند الدولة ليدخل لبنان في أتون حرب طائفية مازالت تستعر نارها ليحتدم من خلالها الصراع بعد ذلك، وهذا ما قرر توجه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان من دعوته إلى ربط سلاح «حزب الله» بقرار الدولة؛ وذلك تلبية لدرس الاستراتيجية الوطنية للدفاع وإقرارها في ضوء تطورات المنطقة، وفي ظل التعديل الطارئ على الوظيفة الأساسية لسلاح المقاومة الذي تخطى الحدود، وهذا ما يقرر – كما أكد الرئيس ميشال سليمان – بأنه حان الوقت لتكون الدولة بجيشها وقيادته السياسية العليا الناظمة الأساسية والمقررة لاستعمال هذه المقدرات، حيث تعد هذه هي المرة الأولى التي يشير فيها الرئيس اللبناني صراحة إلى ضرورة أن يكون سلاح حزب الله تحت السلطة المباشرة للدولة التي يعود إليها القرار في استعماله.
إن ما صرح به الرئيس اللبناني يمثل عين المنطق الذي تستلزمه معطيات بناء أية دولة؛ إذ من غير المقبول أن يكون إلى جانب الجيش النظامي حركة تدّعي المقاومة، وهو ما يقرر منطقياً أنه مادام هناك جيش لفسطاط من المجتمع، فإن الفسطاط الآخر من حقه كذلك أن ينشئ منظومة تستوعب ترسانة أسلحة ليقاوم به؛ ليصبح بعد ذلك فسطاطين أو أكثر في الدولة كل منهم يمتلك السلاح، وكل منهم يسعى لحماية نفسه، وذلك في ظل وجود جيش نظامي كذلك في الدولة، وهذا ما لا يقبله منطق ولا عقل في بناء الدولة المدنية الحديثة.
لقد كان تدخل سلاح «حزب الله» اللبناني في الصراع الدائر في سوريا مجلبة لكثير من الأزمات والصراعات في لبنان، وذلك في تجاوز صارخ للمؤسسات الدستورية وكأنما هذا الحزب يمثل دولة داخل الدولة، وهذا ما يستلزم ضرورة الوقوف من قبل الشعب اللبناني لإعادة تنظيم الدولة حتى يتحقق الحفظ لأمنها القومي بعيداً عن هذه المهاترات التي يقوم بها هذا الحزب، ولتكن الدولة في حركتها وتفاعلها مع الأحداث الخارجية هي المحرك والمحدد للموقف، وذلك بعيداً عن مختلف المهاترات غير المحسوبة التي قد تجر الوطن إلى دمار وحرب طائفية تأثراً بما يجري على الساحة في الدول المحيطة، لاسيما أن لبنان كانت ومازالت تعاني من السعار الطائفي نتيجة بروز قيادات متطرفة لا تنوي إلا جر لبنان إلى عصر الحرب الأهلية.
زبدة القول
إن المنطق السياسي يقتضي أن تكون للدولة قوة عسكرية واحدة تتحرك بموجب ما تقتضيه قرارات المؤسسات الدستورية في الدولة، وإذا كان من الصعب في ظل معطيات الظروف الراهنة نزع سلاح «حزب الله»، فإن من الأهمية بمكان - خاصة بعد تدخل قوات الحزب في الحرب السورية المندلعة بين القوات النظامية وقوات الجيش الحر وغيره من الفلول - أن يتحقق ربط حركة هذا السلاح بقرار الدولة الذي يرتبط بمقتضيات حماية أمن الدولة من خلال المؤسسات الدستورية الشرعية باعتبارها السلطة العليا في البلاد ولا شيء غير ذلك.