تمثل السنن الكونية التي اقتضاها المولى عز وجل لمسيرة الكون معطيات قصها القرآن الكريم عن الأقوام السابقين، وهي كذلك مع الأقوام اللاحقين تستمر إلى قيام الساعة؛ لتقرر حقيقة إرادة المولى عز وجل في أرضه عندما يتعامل مع عباده ويجازيهم بما يقترفون.
إنها سنن قررها المولى عز وجل في كتابه عندما تحدث عن إهلاك الأقوام السابقين، فبين أسباب ذلك وما يرتبط بهذه الأسباب في الجملة والتفصيل، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك حتى أوضح الرؤية الكاملة لتحقيق الأمن الذي ربطه بالإيمان بجلاله والالتزام بأحكامه.
لقد قرر تعالى أنه إذا أراد أن يهلك قرية أمر مترفيها، وفي قراءة أخرى أمّر مترفيها ففسقوا فيها، حتى إذا حق عليها العذاب أخذها أخذ عزيز مقتدر ودمرها تدميراً لتكون عبرة للمعتبرين، وهذه سنته مع الأولين والآخرين، كما قرر في نص قرآني آخر عقوبة الكفر بالنعم على تلك القرية التي يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ثم تكفر بنعمة المولى عز وجل؛ ليكون جزءها أن يذيقها جل في علاه لباس الجوع والخوف عقاباً لها على صنيعها الذي اقترفته.
وحقيقة الأمر فإن نعمة الأمن والأمان تعد من أجل النعم التي تحتاجها المجتمعات، وهي ترتبط في الجملة والتفصيل بتحقيق العدالة وإقامة الحدود ومحاربة مختلف سبل الغواية والضلال، وإلا فإن هذه النعمة لا محالة ستختل وقد تجر البلاد والعباد إلى ما لا تحمد عقباه من الاقتتال والتناحر والتباغض، ارتباطاً بما قرره المولى عز وجل في نصه القرآني بأنه تعالى إذا أراد أن يهلك قرية أمّر مترفيها ففسقوا فيها، حتى إذا تمادوا في ذلك حق عليها القول فدمرها شر تدمير، وفي خضم ذلك هناك سؤال ينبغي أن نصارح به أنفسنا... هل يمكن أن نسقط هذه الحال على البحرين وفق ما يرتبط بمقتضيات عديدة ومعتبرة؟.
إن مما يؤسف من حالنا الذي نعيشه في البحرين يتمثل في أن هناك مجموعة من المخربين الذين لا يرقبون في أهل البحرين إلاًّ ولا ذمة، مازالت تسول لهم أنفسهم القيام بالتخريب والتنكيل وإطلاق التهديدات المغرضة، وهم مازالوا مستمرين على ما ينتهجونه في سبيل تحقيق أغراضهم ومآربهم، وذلك على الرغم من دعوات الحوار والتوافق التي وجهت لهم وباشروا القيام بها ولكنها تنتهي إلى طريق مسدود، فلماذا حال انعدام الاستقرار الأمني والسياسي مازال يعصف بالبحرين منذ العام 2011م؟.
في رأيي ان ما يجري بالبحرين هو هلاك بفعل فريقين، فأما الفريق الأول فهم أولئك الذين يتبنون التقية السياسية ليخفون في أنفسهم مالا يبدون لك، ويظهرون الرغبة في تحقيق الإصلاح من خلال الإفساد في الأرض، وأما الفريق الثاني فهم قوم لا خلاق لهم ويبيعون دينهم بعرض الدنيا، وهم لا يتورعون عن التكسب من قنوات مشبوهة يعرفها جميع أهل البحرين، وكيف أن مداخيل السهرات والمشاريب المشبوهة تصب في جيوب مجموعة من عديمي الورع، ومن يمثل هذين الفريقين هم المترفين الذين أُمّروا في الأرض ففسقوا فيها، وما حق القول علينا ببعيد جزاء ما اقترفت أيديهم، وهو ما يقصد به بمعنى آخر... أن ترك أولئك القوم الذين لا يشكلون من أهل البحرين إلا القليل يتاجرون بالبشر وبأعراض الناس ولا يتورعون عن بيع الخمور حتى في نهار رمضان هو السبب في تصاعد أزمة البحرين وانتهائها من نفق مظلم إلى نفق أظلم، فماذا نحن عسانا فاعلون؟.
زبدة القول
اعتقد أن أهل البحرين ممن يعتبرون من أهل المولى عز وجل وخاصته كثر وقادرون على إحداث تغييرات كبيرة حتى يحتوون ما يقوم به هؤلاء المترفين من جلب لعنة المولى عز وجل على البلاد والعباد، وان الصمت قد طال ولابد من إبراز حقائق الأمور حتى يكون الجميع على بينة فيما يتعلق بسبب ما حل ومازال يحل بنا من نكبات، فلنبتعد عن المتاجرة بالرذيلة، ولنتجنب الكفر بالنعم حتى لا يذيقنا المولى عز وجل لباس الجوع والخوف جزاء بما نصنع، ولنعالج أخطاءنا ولنتفهم الأسباب غير المباشرة لأزمتنا حتى لا تتفاقم وتتفلت بأحداثها إلى حيث لا يمكننا استيعابه بعد ذلك، فوقانا المولى عز وجل شر الأشرار وكيد الفجار، وأبدلنا حالاً خيرا من حالنا، وأبرم لنا أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر... اللهم آمين.