يمثل إقرار الميزانية الذي يمثل الجانب المالي في مختلف الدول التي تأخذ بالنظام الديمقراطي وتتعدد فيها السلطات حجر الزاوية فيما تقره السلطة التشريعية في ذلك من خلال التوافق عليه مع الحكومة لتحديد بنود المصاريف بناء على حجم مدخول الدولة، مع مراعاة البنود الثابتة في الميزانية خاصة فيما يرتبط بالمشاريع الخدمية للمواطن.
وبعد رفض السادة النواب لأول مرة في تاريخ المجلس لاعتماد الميزانية العامة للدولة، حيث ستعرض بعد ذلك على مجلس الشورى الذي من المتوقع أن يقرها، فإنه يثار تساؤل في ذلك يرتبط بالعديد من المعايير التي تجري من خلالها المحاصصات بين العديد من الأطراف بصورة يتوقع المتابع من خلالها بأن انعدام المسؤولية وحسن التقدير والارتجال في القرارات قد بات يهدد مستقبل الإصلاح في مملكة البحرين بصورة واضحة وفق ما تمارسه العديد من الجهات في مؤسسات الدولة، وأعني بذلك أن الإجابة على التساؤل الذي مفاده... هل سيرفض السادة النواب في كل مرة إقرار الميزانية العامة إن لم تتضمن أي زيادات أو امتيازات مادية للمواطن ؟، وما هي المعايير التي بناء عليها يتحقق للسلطة التشريعية نطاق صلاحية يتأطر من خلاله تحقيق التوافق مع الحكومة من أجل تضمين بعض المصاريف في بنود الميزانية؟.
وحقيقة الأمر فإن الميزانية العامة للدولة هي في الأساس ينبغي أن تخصص لخدمة المواطن ولتطوير مختلف القطاعات التي تخصص من أجل رفاهيته، ولا شك أن الحكومة بصفة رئيسة معنية بذلك في المقام الأول، ويساندها في ذلك السلطة التشريعية التي تقوم بإبداء وجهة نظرها فيما يتعلق بتأطير بنود الميزانية وما يرتبط بها في الجملة والتفصيل، حيث لم تعتمد الميزانية في نهاية الأمر إلا بإقرار كلا الطرفين توافقاً حول بنودها ومصاريفها، وهذا ما يستلزم اعتماد معايير واضحة من أجل بناء منظومة التوافق بين كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية مع إقرار كل ميزانية قادمة.
إلا أن الملاحظ أن هناك ربطاً بين خلل يمثله تفاقم الفساد المالي والإداري في الجهاز الحكومي وفق تقارير ديوان الرقابة المالية المتعاقبة من جانب، وما يمثله عدم توافق بنود الميزانية المعتمدة مع تقرير الحساب الختامي من جانب ثان، هذا إلى جانب ارتفاع معدل الدين العام للدولة وسبل تقليص معدل هذا الدين من خلال تقليص المصروفات من جانب ثالث... إن كل هذه الجوانب تمثل خللاً ينبغي مواجهته من خلال سياسات واضحة يتحقق التوافق عليها بين الحكومة والسلطة التشريعية، وهو ما يستلزم مزيداً من التأطير لما يرتبط ببنود الميزانية ضمن نطاق الشفافية والوضوح، وذلك بما لا يدع مجالاً للتشكيك بصورة أو بأخرى فيما يخصص صرفه للمواطن ضمن مختلف القطاعات.
إذاً هناك إشكالية يتوقع حصولها في ظل تزايد معدلات الفساد المالي والإداري في الحكومة في إقرار الميزانية العامة للدولة، والذي يتكرر بموجب الدستور والقانون كل سنتين، وذلك ما بين رغبة من الحكومة في تقليص المصروفات واعتماد العديد من الخطط التي فيها ضرباً من التخبط، إلى جانب تصاعد في وتيرة الفساد المالي والإداري، وما بين رغبة النواب في تحقيق مكاسب لناخبيهم لتعزيز فرص وصولهم إلى قبة البرلمان في الاستحقاقات النيابية القادمة، وذلك دون وضع أدنى اهتمام للمسؤولية الجادة والمبنية على معطيات رقمية دقيقة، وخطط استراتيجية واضحة؛ لذلك فإن الحكومة والنواب مطالبون وبشدة بضرورة السعي الحثيث من أجل بناء جسر من الثقة المتبادلة المبنية على قراءات موضوعية واستراتيجية بعيداً عن أي مهاترات سياسية ومحاصصات وحسابات خاصة يمكن أن تضيّع على الوطن العديد من فرص التنمية والتطوير، وإلا فإن تكرار ذات السيناريو في إقرار الميزانية بالمشادات بين الطرفين ستظل تتكرر، وهو ما ينبغي تجاوزه جملة وتفصيلاً من خلال بناء منظومة المعايير المشتركة لإقرار الميزانية بين طرفي العلاقة في ذلك ممثلاً بأعضاء السلطة التشريعية والحكومة.
زبدة القول
ترتبط العديد من معطيات الحراك الديمقراطي بجانب النضج الذي يتمتع به المجتمع، وهذا ما يستوجب أهلية وجدية في الطرح بما يتناول الشأن العام بصورة مجردة بعيداً عن الحسابات الشخصية أو الفئوية، مع ضرورة بناء جسور الثقة بعيداً عما يستشري من فساد مالي وإداري في الجهاز الحكومي وفق ما يقرره ديوان الرقابة المالية في تقاريره التي تصدر عنه في كل عام، والتي لم يتعد تأثيراً إلا في أن تكون حبراً على ورق، حيث لم تحرك أي دعوى جنائية يجري بشأنها التحقيق ضد أي ممن أثبت التقرير عليهم مخالفات بصورة أو بأخرى، وهو ما يستلزم إعادة التماسك لكثير من المنظومات التي تشكل لبنات النظام الإصلاحي لجلالة الملك؛ وذلك حتى لا تركن إلى مزيد من التعثر والرجعية، ولتكن الجدية والحسم ومحاسبة المقصرين والمتجاوزين ممثلة حجر الزاوية في تحقيق المأمول والمرجو من المشروع الإصلاحي الذي لا بديل لأهل البحرين سوى تطويره وتحديثه بما من شأنه تحقيق الخير للبلاد والعباد.