تمثل حالة الارتخاء السياسي أمراً يعتري مختلف الشعوب التي اعتزمت سلك الإصلاح والديمقراطية منهجاً، وليس من شك في أن تحقيق الديمقراطية في صورتها النموذجية يمثل هدفاً يحتاج إلى نضج إنساني في المقام الأول، وإلى جانب معرفة سياسية وحنكة ودراية بمآلات الأمور وبمختلف نطاقات الدبلوماسية وفن التفاوض.
وإسقاطاً لذلك على الحالة البحرينية، فإنه في ظل تجاوز جلسات حوار التوافق الوطني الخمسة عشرة جلسة، فإن المواطن البحريني البسيط بات يطرح تساؤلاً مثاره يرتبط بماهية المستقبل السياسي للمجتمع البحريني في خضم ذلك، لاسيما في ظل إصرار القيادة الرشيدة على الإصلاح من خلال ما مثلته دعوة العاهل المفدى إلى استكمال حوار التوافق الوطني في شقه السياسي، وذلك مقابل تعنت الفئة التي تنعت نفسها بالمعارضة تأكيداً على سياستها القائمة على مبدأ (أكون أو لا أكون)، ليبقى التساؤل الذي يعتبر مثار الجدل في ذلك... إلى متى سيستمر الحوار ولم يتم فيه بعد التفاوض حول مختلف ما يرتبط بأجندات المتحاورين، وذلك من خلال ما تمثله آراء مختلف التيارات المشاركة في هذا الحوار إلى جانب الحكومة؟.
وفي خضم ذلك فإنه يمكن تشخيص ما يمر به المجتمع البحريني ممثلاً في مختلف أطيافه بأنه يمثل حالة من الارتخاء السياسي الذي قد يستدعي اتخاذ العديد من الإجراءات والمفاوضات وطولة البال لتجاوز حالة التأزيم، إلى جانب ضرورة الإجابة على تساؤلات مفادها ما إذا كان من الممكن أن يطول علاج هذا الارتخاء السياسي في الحالة البحرينية أم لا؟، وما هي جوانبه التي ترتبط به وينبغي استقراؤها في الجملة والتفصيل؟، وهل يستدعي ذلك اتخاذ خطوات جريئة وجذرية وعملية لتجاوز هذه الحالة من التأزيم؟.
وإلى جانب ذلك هناك تساؤلات كثيرة تثار حول ما يرتبط بهذه الحالة من الارتخاء السياسي التي باتت تعصف بالمجتمع البحريني بصورة جعلت من المتعذر في قناعة الناس احتواءه بصورة أو بأخرى في ظل الحوار الجاري، فإلى متى سيستمر هذا الحوار؟، وهل يحتاج إلى طولة بال أكثر من ذلك؟، وما هي نهايته؟، وكيف ستتشكل مخرجاته؟، وهل سيستمر التأزيم الأمني جنباً إلى جنب مع الحوار الذي لا نعرف إن كان سيجري ضمن مخرجاته تحقيق التوافق بين أطرافه المشاركين فيه أم لا؟.
أسئلة كثيرة تطرح في خضم تصاعد حالة التأزيم التي تشهدها البحرين، وإزاء ذلك نتمنى أن يتحقق التشخيص الصحيح لهذه الأزمة لنتوصل إلى أنها ضرب من الارتخاء السياسي الذي لا محالة بعزيمة الرجال المخلصين بعد توفيق المولى عز وجل سنتجاوز حالة الانغلاق التي نعيشها في ظل التحديات الإقليمية التي فاقمت ومازالت تفاقم حالة التأزيم في البحرين.
وبذلك فإنه على الرغم من طول الفترة التي مازالت تستوعبها الأزمة السائدة في المجتمع البحريني، إلا أن حالة التعافي لا محالة قادمة نظراً لارتباط الأزمة ببعد سياسي بحت، وهذا ما جعل جلالة الملك حفظه المولى تعالى ورعاه يدعو إلى استكمال حوار التوافق الوطني في شقه السياسي، وهو ما يحتاج ومن دون شك إلى طولة بال ومتابعة وصدق في إعادة البناء إلى ما كان عليه، لاسيما في ظل ما تشهده الساحة البحرينية من هدوء نتمنى ألا يكون ممثلاً لذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة الهوجاء؛ وذلك لأنه متى كان كذلك فإنه لا محالة سيكون الجميع ممن يعيش على هذه الأرض الطيبة ستناله الخسارة في مقتل، وذلك عندما تعيد دوامة العنف دورانها بسرعة أكثر مما كانت عليه؛ ليشتعل لهيب السعار الطائفي بعد ذلك ويتأجج، وعندها سيصعب الاحتواء للمشكلة، ولا يمكن أن نجتمع ضمن مختلف النطاقات على طاولة الحوار كما نجتمع الآن، وستصعب لملمة ما تبعثر، وستتصاعد في ظل ذلك وستستمر حالة الارتخاء السياسي الذي مازال يهدد مستقبل المشروع الإصلاحي في مقتل.
وضمن هذا النطاق فإن خير ما يشاد به يتمثل بطولة بال القيادة السياسية الرشيدة على المهاترات السياسية الحاصلة التي لا تنم البتة عن أي نضج سياسي من العديد من الأطراف السياسية، وعلى الرغم من ذلك فإننا نتطلع في الفترة القادمة إلى أن نتجاوز حالة التأزيم التي سببت هذا الارتخاء السياسي قبل أن يكون تقطيعاً لأوصال هذا الشعب المتواصل الذي كان ومازال يضرب أروع الأمثلة في التعايش الأهلي، وستثبت الأيام حقيقة ذلك.
زبدة القول
ترتبط حالة الارتخاء السياسي التي نعيشها في مملكة البحرين منذ اندلاع حالة التأزيم في فبراير من العام 2011م بالحاجة إلى دقة التشخيص لأبعاد المشكلة الطائفية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، مع ضرورة اعتماد حلول استراتيجية لتحقيق المعالجة المستدامة لهذه المشكلة، وليس من شك في أن التوصيات التي استوعبها تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق المشهورة بتقرير بسيوني تمثل حجر الزاوية لتحقيق ذلك بما احتواه من توصيات تمثلت من خلال العديد من المحاور، والذي أخذت به العديد من الجهات الحكومية والأهلية.