العدد 2120
الإثنين 04 أغسطس 2014
المعذبون في الأرض د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الإثنين 04 أغسطس 2014

قبل نحو نصف قرن حينما كنت طالبا في الجامعة، قرأت لعميد الأدب العربي طه حسين “المعذبون في الأرض”، قصص واقعية جسد فيها مآسي المصريين مع الفقر والجهل والمرض، بأسلوبه الأدبي السهل الممتنع، كانت بالنسبة إلينا جيل الشباب في مقتبل العمر صورا مؤلمة محزنة، وإن كنا في ستينيات القرن الماضي نتصور أن مصر غادرت حالة البؤس والقهر بعد عقد ونصف من ثورة يوليو 1952، تعيش واقعا جديدا يتمناه كل العرب، وكانت وقتها تقود حركة النضال العربي، وكتب لي بعد خمسة عشر سنة أخرى أن أعيش في مصر سنوات للدراسة، تفاعلت مع أهلها، زرت القرى والريف ودخلت حواري القاهرة، فلم أكن سعيدا بما رأيت، وتمنيت لو عدنا إلى الوراء أيام كتب طه حسين قصصه.
ومما قرأت أن النهضة العربية ابتدأت بمصر والشام ثم إلى سائر الوطن العربي، وأنها تزامنت مع بداية النهضة اليابانية، وهو ما يزيد أسانا وحزننا ويفاقم شعورنا بالإحباط للفارق الواسع والكبير في الموازنة بين حال العرب وحال اليابانيين في الصناعة والتجارة والتقدم علميا واقتصاديا واجتماعيا، ولاسيما أن اليابانيين خرجوا من الحرب بخسارة ثقيلة وبنوا أنفسهم من لا شيء. وكان عزاؤنا آنذاك بالخطابات، فالشعارات وأهازيج صوت العرب وأحمد سعيد للوحدة العربية، جعلت الحلم يطرق الأبواب أو على “مرمى عصا” بالمثل البدوي، وتصورنا أن الطريق أصبح مفتوحا نحو القدس وتحرير الأرض، ثم أفقنا على صورة الاحتلال الإسرائيلي يدخل الضفة الغربية ويحتل القدس والجولان وسيناء عام 1967 بعد حرب الستة أيام. ومع ذلك لم نفقد الأمل، وبقينا نمني النفس.
ترى ماذا يقول طه حسين لو قدر له أن يستفيق ويخرج من قبره، فيكتب عن العرب المعذبين في الأرض اليوم، هل سيكتب عن الفقر والجهل والمرض؟ أم “من يرى الموت يرضى بالسخونة” كنا فقراء وكانت لدينا قناعة” والقناعة كنز لا يفنى، كنا نأكل من حاصل أيدينا مما تنبت الأرض من بصلها وثومها وعدسها، ولم نعرف السرطان والإيدز والضغط والسكر وأمراض العصر، كنا جهلة، وما كنا ندري: “ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم”. كان أهلنا يعيشون أعمارهم، حتى في الحرب كان المقاتل يرى عدوه ويقاتله وجها لوجه ولا يخشى الموت “نستشهد أو ننتصر”، أما اليوم الهزائم تلاحقنا، ولا ينجيك إن كنت في الشمال أو الجنوب، شئت أم أبيت، تتساقط الصواريخ والقذائف والبراميل المتفجرة فلا تشعر إلا والأرض وما عليها فوق رأسك، لا فرق فيها بين عسكري ومدني، ولا بين طفل وامرأة أو كهل وشاب محارب أم مسالم.
والمصيبة الخرساء أن لغة الرصاص لم تعد تفرق بين غريب وشقيق، ولا عدو وصديق، صرنا نقتل بعضنا بعضا، وليتنا ما اكتشفنا النفط والغاز، ولا عرفنا الفضاء والقمر والطائرات والسيارات، ولا الحضارة ولا المدنية. فمن يا ترى يشتري الدكتوراه بخمسين شاة؟ فهل أبدع منها حرية وديمقراطية؟ جربتها وأنا ابن اثني عشر عاما، ولولا أن والداي أجبراني على العودة لعشت بدويا بقية عمري، فطورنا بيض القطا بالزبدة والحليب والعجوة، وغداؤنا لحم غزلان، وعشاؤنا لحم طيور مع الزبادي، والأرض لنا نملك أنفسنا ولا يملكنا أحد، والله ركوب البغال مع الحرية أكثر متعة من ركوب السيارات مع الذل، وركوب الفرس مع الكرامة أجمل من ركوب الطائرات مع الإهانة، وقطع الصحراء على ظهور الإبل مع الإباء أرحم من ركوب البحر مع الاستكانة، ألا تبا لذل الحياة العصرية، وضوضاء الفضائيات.
يا طه حسين العرب وحدهم اليوم بين الأمم المُهجرون المعذبون في الأرض، مرضى بلا مرض، وجوعى بلا فقر، متعلمون أيضا بلا ثقافة، غزة تحترق بنيران الصهاينة ونحن نفكر بموائد رمضان وكعك العيد، ولن أتكلم عن ربيع مصر، أهلها أعلم مني بحالها، أما سوريا فالأسد قتل وقصف وهجر وفعل ما لم تفعله فرنسا حين أحرقت دمشق ولكن الأسد يحرق سوريا كلها ويسويها بالأرض، “الأسد أو نحرق البلد”! المالكي اقتاد العراق وسلم بغداد دار الخلافة للملثمين، عن ماذا نقص ونتحدث، عن المعذبين في ليبيا ولبنان أم الصومال واليمن والسودان، فمن المعذبون في الأرض؟ جيلكم الفقير، أم جيلنا الغني المثقف؟ جيل القاتل والمقتول، والقاهر والمقهور، وهو الجيل المعذب المهجر الذليل المستكين.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية