لم تتخذ الشعوبية طابع المذهبية، ولم تكن فرقة دينية أو عنصرية، ولا هي تكتل حزبي سياسي، وأطلقنا عليها حركة مجازا، وإنما هي نزعة حقد وكراهية للعرب ودينهم وحضارتهم، وتفضيل غيرهم عليهم، التقى عليها أو عندها أعداء العرب والإسلام معا فشكلت الشعوبية تيارا مستمرا قابلا للتجدد مع العصور، ومن يتتبع نشوء الفرق والمذاهب والطوائف والدول وحركات الردة المسلحة في العصر العباسي مهما اختلفت مبرراتها يجد النزعة الشعوبية والزندقة جموحا وجنوحا مشتركا بينها، وإن اختلفت فيما عداها، ويشتد خطر الشعوبية والزندقة لدى وزراء وقادة وسلاطين لهم حظوة أو قوة تعلوا على سلطة الخلفاء أحيانا فيهيمنون ويتحكمون بإدارة الدولة سواء كانوا من أصول فارسية أو تركية، فقد تبادل الفرس والأتراك “بويهيين وسلاجقة” أدوار النفوذ والهيمنة فكثرت دسائسهم ومؤامراتهم فضلا عن حركات مسلحة أضعفت دولة الخلافة العباسية العربية، وأوقفت نشاط الفتوحات وأعاقت نشر الإسلام لانشغال الدولة والجيوش بمقاومتها وإخمادها.
من الحركات المسلحة انتساب “بهبوذ” اليهودي الفارسي إلى آل البيت، بعد طرده من البحرين فتزعم الزنج وتمرد في جنوب العراق 255هـ وارتكب القتل والسلب والنهب، مدعيا نسبا علويا وأنه المهدي المنتظر المنقذ، يزيل الغمة، ويفرج الكرب، وكتب شعاراته على راية جمعت اللونين الأخضر والأحمر إشارة إلى العلويين والخوارج في محاولة منه لتوحيد كل ضال تحت ولايته؟ وسيطر عشرة أعوام على رقعة واسعة ما بين الأهواز وواسط، وهدد بغداد، حتى عهد الخليفة المعتمد إلى أخيه الموفق بمحاربتهم ففرق شملهم بعد خسائر فادحة.
وكانت والدة المعتصم تركية وليتقي كيد الفرس ومكرهم استقدم الأتراك حرسا وقادة للجيش كما فعل أخوه المأمون مع الفرس حتى استفحل نفوذهم وكبر، وصار منهم سلاطين لهم الحل والعقد وبسببهم انتقلت العاصمة إلى سامراء، وأصبح لهم شأن بتولية الخلفاء الضعفاء وقتلهم أو عزلهم، وحين سيطر البويهيون الفرس على بلاد فارس استعان بهم الخليفة للخلاص من نفوذ الأتراك. تمسكن البويهيون حتى تمكنوا ووجدوا فرصتهم الضائعة فسلبوا الخلافة العربية السلطة والمهابة وأبقوها شكلا بلا معنى، ولقبوا أنفسهم بحماة الخلافة، سادت على عهدهم فترة من الرخاء استقرت الدولة وتقدمت العلوم ثم عمت الاضطرابات والجوع والفقر وأكل الناس الموتى، وتصارعت فروع الأسرة فيما بينها فقضى على جزء منهم الغزنويون وعلى النصف الآخر السلاجقة الأتراك. ادعى البويهيون خلال حكمهم التشيع فأمروا بسب الصحابة، وأمهات المؤمنين، وابتدعوا فرية لطم الصدور والبكاء في عاشوراء، وتبنى دعاة منهم التناسخ، وأن روح الإمام علي والزهراء حلت فيه وفي زوجته، وفي عصرهم كتبت أول المؤلفات التي مهدت لانحراف المذاهب عن مسار آل البيت وشيعتهم وعن الصحابة بعد ثلاثة قرون من بزوغ فجر الإسلام، فأشاعوا كثيرا من الروايات والافتراءات التي أصبحت مع الزمن جزءا من العقائد المنحرفة، وأضاف عليها الإسماعيليون والفاطميون هرطقات كثيرة قبل أن يتلقفها الصفويون بعد قرون وروجوها طقوسا دينية وأصبحت واقعا وهي دخيلة على التشيع. واستمر حكمهم نحو قرنين حتى قضى على فريق منهم الغزنويون وأجهز على من تبقى السلاجقة الأتراك، ليمارسوا دورهم في إضعاف هيبة الخلافة، في حقبة اتساع الدولة وبعد الأمصار عن العاصمة وصعوبة المواصلات، مما مهد لاستقلال دويلات الأغالبة والأدارسة والطولونيين والإسماعيليين، والفاطميين والساميون، والبويهيين والحمدانيين والإخشيديين والغزنزيين والصفاريين والقرامطة والأيوبيين وهلم جرا، لا فرق بين فرس وأتراك وأكراد. وتدخل السلاجقة في فترة نفوذهم بتنصيب الخلفاء وعزلهم بالقتل وسمّل العيون وسجنهم وتجويعهم ودفعهم للتسول على أبواب المساجد تنكيلا وتشفيا بالخلافة العربية.
تنوّعت الفرق والمذاهب وتعددت الأهواء والمشارب فأدّت إلى انهيار الدولة العباسية، ومن أبرزها: النزعة الشعوبية التي تفضل غير العرب على العرب، وتركز الجدل في فلسفة الخلافة وإمامة المسلمين. وكانت لكل منهم مبادئ خاصة ونظام وشعارات وطرائق في الدعوة لأهدافه وغاياته. فتفرق الناس أحزابًا، تتصارع فيها الآراء وتتناقض، حتى تصدعت الوحدة العقائدية أساس الوحدة السياسية للدولة، وكثرة الحركات الانفصالية.
واستمرت الشعوبية الفارسية تتآمر وتنخر قوام دولة الخلافة حتى أسهمت بإسقاطها بتعاون الوزير الإمامي ابن العلقمي، ومرجع الإسماعيلية الطوسي مع التتار عام 656هـ في زوال الخلافة العربية ونكبة بغداد بالسقوط وتسليم الخليفة للمغول ليقتل تحت حوافر خيولهم، ولنا عودة.