الإسلام دين الظاهر، من نطق بالشهادتين عُصم دمه وماله وعرضه، ولا يؤاخذ الإنسان على ما في قلبه، فسهل على الشعوبيين والفرق الباطنية معايشة المسلمين بالتقية ما لم يجهروا بكفرهم، وشغلوا مواقع حساسة، فتسببوا بفتن وأحداث مؤسفة يتردد صداها حتى يومنا، فمن أثار الشعوبية وفق تحليلات المؤرخين، اغتيال أبو لؤلؤة الفيروزي للخليفة ابن الخطاب انتقاما وثأرا كونه جهز جيش القادسية لفتح فارس وأزاح الدولة الساسانية من الوجود، فظل الفرس يناصبون الخلفاء الراشدين خصوصا الخليفة الثاني أشد الخصومة ويفترون عليه بأوهامهم وأساطيرهم. وظل قاتله أبو لؤلؤة يمجَّد، وقد أقامت الثورة الإسلامية له ضريحا فخما يزار ويترحم عليه. وتعزى إليهم الفتنة الكبرى ومقتل الخليفة الثالث عثمان, ونشوب معركة الجمل. وإن قاتل الخليفة الرابع علي فارسي أسره العرب، فرآه علي واتخذه غلاما له، وسئل عن اسمه قال: بهمن جازويه وينادونني (پسرافسار ير) ملجم على مهنة أبيه، واعتاد العرب تسمية من يصعب النطق باسمه: عبد الرحمن أو عبدالله فسموه عبد الرحمن بن ملجم، تعلم العربية والقرآن والحکمة من الإمام، والتقي في العراق بالخوارج وصار منهم. فوجد الفرصة للثأر من الخليفة عند صلاة الفجر فقتله، وثأر الشمر بن الجوشن الفارسي اليهودي لرستم يوم جثى على صدر الحسين وقد سقط جريحا وقطع رأسه.
في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباس أخذت الدعوة الشعوبية حيزا جماعيا واستقطب عوام الفرس, والشعوبيون يعرفون أن العربية أساس الدين، وهي لغة القرآن وأحكامه، فخططوا لطعن الدولة الأموية العربية من الظهر وكسر عمود العروبة الفقري لغة وقيما وانتماء، فقاد أبو مسلم الخرساني حشود الفرس بالرايات السود لإسقاط الأمويين لشدة اعتزازهم بالعنصر العربي، وهم من نشروا الإسلام في بقاع العالم، فأسقطها ودمروا القصور والمعالم والآثار ونبش حتى القبور ليمسح كل أثر لهم، وحين قامت الخلافة العباسية وفاز بها أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم من عمه العباس ناصبهم الفرس العداء، مما اضطر أبو جعفر المنصور إلى قتل الخراساني بعد جهد جهيد. واجتهد الخلفاء العباسيين بمحاربة الشعوبيين والزنادقة، أسوة بالإمام علي بن أبي طالب حين أحرق الذين غلوا فيه، وقالوا بألوهيته من دون الله، وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ، فجدّ الخليفة المهدي في تعقبهم، استحضرهم وقتلهم صبراً بين يديه. ونفذ الخليفة موسى الهادي وصية أبيه فقتل منهم طائفة. ولكن الشعوبيون دأبوا على الظهور بين فترة وأخرى، عادوا واصطفوا خلف البرامكة في عصر الرشيد فتفاقم نفوذهم واستقطبوا الناس بشراء الذمم بغية طرد العرب من المراكز الحساسة وقيادات الجيش تمهيدا للانقضاض على الخلافة العباسية وإحياء دولتهم، حتى إذا تأكد لهارون الرشيد تآمرهم وخطرهم على الخلافة نكبهم وخلص الناس من شرورهم. وعلى زمن الخليفة العباسي المأمون خرج بابك الخرمي وأسس دولة شاسعة في أذربيجان وحاول مزج الإسلام بالمجوسية وأسس دينًا هجينًا، وبقي عصيًا على الخليفة عشرين عامًا، إلى أن قضى عليهم المعتصم وقضى على تمرد العبيد الزط ممن ادعوا التشيع للأمام علي كذبا، فقطعوا الطرقات ونهبوا غلال الضواحي, وعاثوا في البصرة فساداً, واستمر تمردهم سنوات حتى قضى عليهم وأجلاهم إلى الأنضول.
ولم ينس الفرس ثأرهم من الرشيد، فدقوا إسفين العداء والفرقة بين الإخوة الأمين والمأمون، وكانوا خلف تفجر الصراع والقتال بينهما، استعان المأمون بأخواله الفرس على قتل أخيه، فمكنهم من قيادة الجيش وسياسة الدولة وعلى أيدهم وزمانهم نشأت فكرة خلق القرآن وأجبروا الناس على تبني فكر المعتزلة عقيدة رسمية، وعهد بولاية العهد بعض الوقت لعلي الرضا الشيعي، واتخذ اللون الأخضر شعارا وترك شعار العباسيين الأسود ثم عاد إليه المأمون، وجعل أخاه وليًا للعهد.
ما أشبه اليوم بالبارحة، الإيرانيون اليوم وراء كل الفتن في المنطقة العربية، سلحوا حزب الله في لبنان فأحدثوا الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة، وهم وراء تسليح الحوثيين في اليمن فأدمى الزيديون بعضهم بعضا، وهم وراء دعم الأسد والعلويين فدمروا سوريا، واليوم يدمرون العراق، ويخططون لتدمير البحرين والكويت، وهو ما تشكو منه المنطقة منذ الثورة الإسلامية الإيرانية التي خرجت بأسطورة ولاية الفقيه، ونشرت الفتن، والمواقف تكرر نفسها بذات الأسلوب الطريقة، والهدف واحد استهداف العروبة والإسلام. وللموضوع بقية.